الوعي نيوز قطر (Mehmet Ali Özcan - Anadolu Ajansı)

الوعي نيوز :

قبل يومٍ واحد من اغتيال السفير الروسي لدى تركيا في معرض في أنقرة يوم 19 ديسمبر/كانون الأول، عقد المسؤولون الأتراك والقطريون الاجتماع الثاني للجنة الاستراتيجية التركية القطرية العليا، في مدينة طرابزون الواقعة على البحر الأسود. عقد هذا الاجتماع تحت رعاية الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» ونظيره القطري الشيخ «تميم بن حمد آل خليفة»، وانتهى بتوقيع المسؤولين من كلا البلدين مذكّرات تفاهم وإعلانات وموافقات وخطط عمل في عدد واسع من القطاعات، بما في ذلك الزراعة والاتصالات والثقافة والتعليم والمالية والرياضة.

وأوضح الاجتماع كيف أنّ العلاقة بين أنقرة والدوحة قد نمت كثيرًا مؤخرًا، وفي هذه اللحظة، ربما يتم وصفها بالتحالف. والآن، يدرك المحللون والدبلوماسيون والمراقبون للشرق الأوسط مدى عمق العلاقات القطرية التركية. لكن ما حقيقة كل ذلك؟

تسليط الضوء

في فبراير/شباط عام 2016، كتب روبرت كيندي مقالًا مثيرًا للجدل في مجلة بوليتيكو تحت عنوان «لماذا لا يريدنا العرب في سوريا»، وفتح خلاله النقاش حول محور الدوحة أنقرة. وطرح الحديث حول خطّة بدأ الإعداد لها منذ عام 2009 بتوصيل الغاز عبر أنابيب تمر عبر سوريا من قطر إلى تركيا ومن ثمّ إلى أوروبا، في إطار محاولة للحد من اعتمادها على الغاز الروسي، وكان سببًا رئيسيًا لأزمة الحرب الأهلية السورية أنّ «بشار الأسد» رفض هذه الخطّة بإيعاز من إيران وروسيا.

لكنّ هذا الطرح يبسط جدًا تعقيد السياسة في الشرق الأوسط، ويقلل من شأن قطر وتركيا بإظهارهما كأدوات في يد الغرب، من وجهة نظره، في حرب النفط الممتدة. لكن مع ذلك، كان «كيندي» محقًا في مدى تأثير علاقة قطر وتركيا في المنطقة. لكن على العكس، فالعلاقة التركية القطرية تشهد عمقًا متزايدًا، في حين لا ينظر أي منهما لنفسه كأداة للغرب، بل يتّخذون هذه العلاقة وقوّتها كوسيلة للاستقلال عن القوى الغربية وخاصةً واشنطن. ومع الانتشار العسكري والنفوذ الجديد المتمدّد لروسيا، فإنّ هذه العلاقة والاستقلال الذي تدعمه أصبح شيئًا حيويًا بالنسبة إلى تركيا.

وتتميز علاقة تركيا مع قطر عن باقي العلاقات الثنائية مع دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى. فالعلاقة بينهما لا تقتصر على علاقة التجارة الاستراتيجية والتحركات الدبلوماسية المشتركة، بل يقترب الأمر من التحالف، لاسيما منذ وصول «أردوغان» إلى رئاسة تركيا عام 2014.

شراكة متزايدة؟

وقّعت تركيا وقطر أول معاهدة للتعاون التقني والاقتصادي عام 1985، وتبعها 5 معاهدات إضافية عام 2001، قبل وقتٍ قصير من صعود حزب العدالة والتنمية للسلطة عام 2002. وما تبع ذلك كان التركيز على تحويل هذه المعاهدات إلى قاعدة كبيرة من الفرص المستدامة، بشكلٍ ثنائي معا ومع دول مجلس التعاون الخليجي. وكانت أبرز الاتفاقات هي المعاهدة العسكرية لمدّة 10 سنوات، والتي وقّعت في 19 ديسمبر/كانون الأول عام 2014، والتي تسهّل افتتاح قاعدة عسكرية تركية في قطر، بالإضافة إلى التعاون الثنائي في التصنيع العسكري. وتبع ذلك العديد من التفاهمات والمواءمات والاتفاق والتعاون والاستثمار في عام 2015. وعقد المسؤولون في الدوحة وأنقرة اجتماعهم الأول للجنة الاستراتيجية التركية القطرية العليا، الأمر الذي مهّد الطريق لـ 15 اتفاقية تغطّي مجموعة واسعة من المجالات من البيئة إلى الطاقة والتعليم.

وصاحب هذه الجهود المشتركة سلسلة من عمليات الاندماج والاستحواذ الضخمة من قبل شركات ومستثمرين قطريين لمشاريع رمزية رئيسية في تركيا، بما في ذلك مشاريع التلفزة عبر الإنترنت وشراء فاينانس بنك عن طريق البنك الأهلي القطري (QNB). ووقّعت شركات تركية مثل تكتّل تكفين للإنشاءات وشركة بوتاس للطاقة صفقات ضخمة في قطر. وكان وزير التنمية التركي «لطفي إيلفان» قد أعلن في اجتماع بقطر في سبتمبر/أيلول عام 2016، أنّ الشركات التركية قد ربحت أكثر من 2.5 مليار دولار في عقود عام 2015 فقط.

لكن هل تدل هذه الاتفاقات على تحالف مستدام بين البلدين؟ فرغم كل شيء، لقد أنشأت تركيا قاعدة عسكرية في أذربيجان أيضًا، وهي دولة غنية بالغاز كذلك وأقرب إلى تركيا من قطر. وهناك العديد من المستثمرين من باقي دول مجلس التعاون الخليجي كذلك.

في الواقع، فإنّ التحالف الدبلوماسي بين قطر وتركيا وخاصةً فيما يتعلق بسقوط جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 2013 أو في الأزمات في ليبيا وسوريا، يمكن النظر إليه كتحالف نفعي غير مبني على أي شيء في العلاقة الثنائية قد يميزه عن التحالفات أو الشراكات الأخرى في المنطقة. وفي سوريا على سبيل المثال، كانت السعودية في نفس الجانب مع تركيا وقطر، ودعمت باقي دول مجلس التعاون الخليجي موقف قطر وتركيا في ضرورة إزاحة «الأسد» عن السلطة. وكذلك دعمت دول المجلس مع تركيا وقطر الحكومة الليبية في طرابلس. وبالتالي، فإنّه يحقّ لنا أن نتساءل حول ما يجعل العلاقة التركية القطرية فريدة من نوعها وما يميزها عن العلاقة التي تحافظ عليها تركيا مع السعودية أو الكويت، وكليهما لديه تبادل تجاري مع تركيا أكبر حجمًا من قطر.

ليس الأمر كله حول المال

تتشارك قطر وتركيا حاليًا الشعور بأنّ هناك شيء فريد غير مرئي يحدث في العلاقات الثنائية الأخرى في المنطقة. وقد تمّ الإعلان عن استثمارات ضخمة في تركيا من قبل مستثمرين قطريين رفيعي المستوى. ويقول المستثمرون القطريون أنّهم يشعرون وكأنهم في بلدهم مع كل التسهيلات المتاحة لهم في تركيا. وذكر في الاتفاق العسكري الهام الأخير جملة «العمل على تطوير العلاقات الودية». ومع مشروع أنابيب الغاز، التي ذكرها «كيندي» في مقاله، فإنّ العلاقة تصبح أكثر وضوحًا وحزمًا منذ نهاية عام 2014.

وبالحديث عن تسارع وتيرة التقارب التركي القطري، نجد أنّ العديد من المراقبين السياسيين والاقتصاديين المحليّين قد لاحظوا ذلك في تركيا. وفي 19 مارس/آذار عام 2015، في كلمته له لرئيس الوزراء، قال «أيتوج أتيتشي» عضو البرلمان عن حزب الشعب الجمهوري، معبّرًا عن دهشته من سرعة إنجاز المعاهدات مع قطر: «أصدقائي، لقد كنت أحد أعضاء لجنة العلاقات الخارجية لعامين. وهذه هي المرّة الأولى التي أشهد فيها موقفًا مشابهًا. عادةً تستغرق الاتفاقيات والمعاهدات سنوات ونكون ما زلنا حتّى نتجادل بشأن أولوياتها، ثمّ تأتي قطر وتقول هيا، فلننجز ذلك.، وأنتم قادرون على مناقشة ذلك في 72 يومًا مع اللجنة والمضي قدمًا…». وهذا جعله يتساءل ساخرًا ما الذي يدفع لهذا التطور باتجاه علاقة أوثق مع قطر: «من أين يأتي هذا الحب؟ ما هو مصدر المودة، وهذه الصداقة؟».

وتزامنت زيادة سرعة وتيرة التطورات الإيجابية في العلاقة بين البلدين مع تحوّل «أردوغان» من رئيسٍ للوزراء إلى رئيس للجمهورية. وأظهرت قطر كذا التزامًا قويًا تجاه الحكومة التركية. وأصبحت الزيارات المتبادلة عالية المستوى متكررة بشكل أكثر من السابق. وكانت قطر واحدة من أوائل الدول التي وقفت إلى جانب تركيا في الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها في الآونة الأخيرة. وفي الواقع لم تقدّم أي عاصمة حول العالم الدعم الذي قدّمته الدوحة لـ«أردوغان» بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو/تموز عام 2016. وهذا الالتزام من جانب قطر يوطّد العلاقة بين الدوحة وأنقرة.

رواية قوية

يمكن تلخيص مفتاح العلاقة القوية بين البلدين في نقطتين. الأولى، أن كلا البلدين كان ضحيّةً للاستعمار البريطاني/الغربي خلال القرنين الـ 19 والـ 20. وكانت قطر قد انضمّت للإمبراطورية العثمانية عام 1835، ويقال أنّها قد أجبرت على الانفصال عن الدولة العثمانية عام 1915 في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وقد قصفت القوات البريطانية السواحل القطرية عام 1893 لـ 4 أيام متتالية، بسبب رفضها الخضوع لإملاءات بريطانيا، الأمر الذي خلّف العديد من القتلى.

والثانية، تشير إلى أنّ العلاقات المتجدّدة من أجل التمكين المشترك وإعادة إحياء المجد العثماني، الأمر الذي يسمح لكلًا من تركيا وقطر بتحديد هويتهما الوطنية. كانت الأسرة القطرية الحاكمة كانت تتولى (محمية) العثمانيين في تلك الأراضي. وعلى خلاف باقي دول مجلس التعاون الخليجي، فلم تتمرّد قطر على الدولة العثمانية، وهي حقيقة تاريخية ينبني عليها الثقة الحالية بين الدوحة وأنقرة.

خاتمة

تتجاوز العلاقة بين تركيا وقطر المصالح المالية والتجارية والاستراتيجية المؤقتة. فالشراكة بين أنقرة والدوحة متجذّرة في القيم المشتركة والروابط التاريخية. وتتجاوز علاقة تركيا بقطر جميع البلدان تقريبًا، حتّى أذربيجان، التي حافظت تركيا على علاقات قوّية معها.

وفي عام 2017، ستستمر تركيا وقطر في استثمار العلاقة الثنائية وتنميتها لأنّ ذلك يعزّز من وضع كلا البلدين. وستستمر الإجراءات سريعة الخطى باتجاه الاستثمارات الضخمة في تعزيز الأبعاد الرمزية والتاريخية لعلاقتهما. وفي حين تواجه علاقة تركيا بالغرب بعض التوتّرات على خلفية عدد من القضايا، فعلى الأرجح ستزداد مصلحة أنقرة في تطوير علاقتها بشكلٍ أوثق مع الإمارة العربية الخليجية. ودفع النفوذ الروسي المتزايد في الشرق الأوسط تركيا للتوسط في مشروع على الصعيد الوطني لوقف إطلاق النار في روسيا مع موسكو في 28 ديسمبر/كانون الأول في أعقاب سقوط حلب في يد القوّات السورية المدعومة من إيران وروسيا. وكان هذا هو الدور الذي لطالما سعت أنقرة للعبه لتعزيز تواجدها كوسيط. وقد تستفيد أنقرة من قوّة الدبلوماسية المالية لقطر في تحقيق هذا الهدف، حيث تسعى تركيا بشكلٍ متزايد لسياسة مالية مستقلة بعد سنواتٍ من التحدّيات.