الوعي نيوز :

أبو مازن : لقد انتصرت الثورة الإسلامية في وقت هزمت فيه اسرائيل العرب أما اليوم فهي تلفظ أنفاسها الأخيرة .

إن الفشل المتوالي للعرب في وجه الكيان الصهيوني نتيجة المبالغة في التركيز على القوميات والأعراق والطوائف الذي انجزه الكيان الصهيوني أجهض أية مساع لاسترجاع فكرة المقاومة ضد اسرائيل .

وفي هذه الظروف و مع فقدان روح المقاومة ،وعدم وجود عقيدة النضال ،و تزايد النماذج الفاشلة ،أصبحت الفرصة سانحة للكيان الصهيوني و بعض شركائه العرب لأن يحسموا أمر فلسطين ،وأن ينتقلوا به من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الاعتراف به ككيان ، ليصل إلى مرحلة تثبيت نفسه على خارطة المنطقة .

وصلت خيبة الأمة العربية وحركات المقاومة الى أوجها ، مهيئةً الظروف السياسية والإقليمية لانتصار الثورة الإسلامية في ايران ، و من هنا يمكن تفسير كل مخاوف تل أبيب و الغرب من امتداد الرسالة الفكرية الأيديولوجية للثورة الإسلامية الإيرانية، الثورة التي اجتاحت الحدود الجغرافية وأدت إلى التأثير على التحولات الإقليمية والدولية ، وخصوصاً بأن الإمام الخميني بعد انتصار الثورة وجه بوصلته إلى الكيان الصهيوني وجعل هدفه الاستراتيجي هو مقاومة الاحتلال الصهيوني .

لم يكن دعم القضية الفلسطينية بالنسبة للإمام الخميني مجرد عنوان بل جعله أولوية في جدول أعماله.

في تلك الظروف كانت الثورة الإسلامية خارطة طريقٍ لشعوب المنطقة ، وبعد الثورة الإسلامية كانت الخطوة الأولى في دعم القضية الفلسطينية هي إغلاق السفارة الإسرائيلية في طهران .
كان البعد الفكري والعقائدي للإمام الخميني إضافة إلى إدراكه للتحولات الإقليمية والدولية من العناصر الأساسية لمواجهة تحديات الأمة الإسلامية ، التي تمثلت في البعد عن الإسلام الصحيح واعتماد “الإسلام الأميركي” لكي تدفع بالمنطقة الى اتجاه آخر .

وفي تلك الظروف كانت قوى المقاومة الإسلامية تنهل من أفكار الثورة الإسلامية في النضال السياسي والعملي ، و من حركات المقاومة تلك حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي .
و كان التعريف الصحيح للإسلام السياسي و النضال ضد المحتل الذي رسخته الثورة الإسلامية من بين أهم العناصر التي أدت إلى تشكيل هذه الحركات المقاومة .

الآن و في الوضع الذي تحولت فيه إيران من صديقٍ لإسرائيل إلى عدو لها فإن الظروف تغيرت ، بحيث ازدادت الروح النضالية في الجهاد وتلاشى اليأس من القلوب ، فقد بدأت التحديات الإسرائيلية في فلسطين والمنطقة ككل .

الإعلان عن يوم القدس العالمي شكل ضربة قاسمة لكل من “العربان الخونة” ومحادثات السلام والتطبيع مع اسرائيل .

لم يقتصر يوم القدس العالمي على كونه مناسبة إسلامية و دولية ، بل كان خطاباً إسلاميا أخرج القضية الفلسطينية من المعادلة العربية لتصبح أولوية إسلامية .

ليس يوم القدس العالمي مجرد نظرية بل إنه عنصر له تأثيره الكبير والواضح على فلسطين والمنطقة ، وخصوصا على العلاقات الإستراتيجية بين الأمتين الفلسطينية والإيرانية .

على الرغم من أن التفكير والتقييم السياسي كان قد توقع بقاء يوم القدس العالمي في إطار نظرية ثورية تتجسد بحدودها العظمى بمظاهرات متواضعة ،و لكن هذا الخطاب الإسلامي تخطى الحدود الجغرافية ليصل إلى العمق الاستراتيجي لشعوب المنطقة ، والذي يتجسد اليوم بعقيدة وخارطة طريق وضعته الشعوب الإسلامية نصب أعينها .

مع كل الجهود الرامية إلى الفصل بين الشعبين الفلسطيني والإيراني إلا أن القضية الفلسطينية لاتزال بعداً استراتيجياً للثورة الإسلامية الإيرانية .

أخذت مكاسب وإنجازات يوم القدس العالمي تتسلل رويداً رويداً لتقحم نفسها بعمق في المعادلات الاستراتيجية للمنطقة .

التطورات التي حدثت من العام 2000 و حتى قهر الصهاينة في حرب تموز ، وحرب غزة الأولى والثانية ، كلها عوامل أثرت في فهمنا الصراع مع اسرائيل ، و محت من أذهاننا الفكرة السائدة عن إسرائيل وجيشها الذي لا يقهر .

لم تقتصر المقاومة على الأبعاد السياسية بل امتدت لتأخذ البعد العسكري ، فكسرت معادلة التوازن الإسرائيلي ، فصواريخ المقاومة طالت تل أبيب ومستوطنات أخرى ، أي أنها طالت العمق الإستراتيجي الإسرائيلي ،صواريخ ٌ بدد غبارها الوهم الإسرائيلي وجعله يمعن النظر في تجاوزاته، فقد أصبح معرضا للعقاب على ما اقترفت يداه.

لقد زرع الإمام الخميني إرادة المقاومة في نفوس الشعوب ، في الوقت الذي لم يجرؤ أحد على انتقاد إسرائيل ولو بكلمة واحدة .

العدو الاسرائيلي بات اليوم يحيط نفسه بقبب حديدية وجدران وأسلاك شائكة ليحمي كيانه وكينونته المهددة بالزوال .
ومن هذا المنطلق قال قائد إيران أن إسرائيل وبفضل المقاومة الإسلامية ستزول عن الوجود في الخمس وعشرين سنة القادمة.

ولإدراك وفهم إنجازات محور المقاومة ، يجب النظر إلى المفاوضات مع العدو التي أعطته اقرارا واذعانا سياسيين ، وهنا يأتي السؤال ، ماذا جلبت تلك المفاوضات من منافع على فلسطين وشعبها ؟ و هنا نذكر بالويلات التي جلبوها والخيانات في المجالات الأمنية والاستخباراتية التي أدت إلى ذبح الشعب الفلسطيني على مر التاريخ .

ومن دون أدنى شك إن الشراكة العميقة و اتفاقيات السلام العربي الإسرائيلي هي العامل الأساسي في فشل حل الأزمة الفلسطينية .

النتيجة الوحيدة التي حصدها الرئيس السابق ياسر عرفات والرئيس الحالي أبو مازن هي وعود معلقة بددت آمال الفلسطينيين وزادت ويلاتهم و معاناتهم .

فاللاجئين الفلسطينيين مازالوا يحتفظون بمفاتيح منازلهم منتظرين حق العودة ، ومطالب الحكومة بالعودة إلى حدود أرضي العام ستة وسبعين أصبحت طي النسيان في مفاوضات علقت ومازالت تعلق ، تتقدم في كل منها إسرائيل قدماً وتتراجع فلسطين أقداماً و أقدام ، وأصبح ابو مازن شرطي إسرائيل الذي يقمع مظاهرات الفلسطينيين واحتجاجاتهم ، بعدما كان رئيس مجلس الوزراء في حكومة ياسر عرفات ، الشرطي الذي صار يلعب في ملعب اسرائيل و بلجنة تحكيمٍ أميركية، متناسيا دوره في القضايا الإقليمية والدولية وخاصة تلك المتعلقة بإيران ، وأصبح واضحاً للجميع تعاونه مع العدو .

ينبغي على أبو مازن أن يحضر مثل هذه الاجتماعات فقط ليُحدث شرخاً بين الشعبين الفلسطيني والإيراني من جهة ، ومن جهة أخرى ليلقي كلمة مفادها أن هناك نظرتين مختلفتين للقضية الفلسطينية في إيران ، رسمية تقول بأن المقاومة هي من يحمي القضية الفلسطينية ، واُخرى شعبية تقول بأن الحكومة الفلسطينية هي الممثلة الوحيدة للأرض و الشعب الفلسطيني .

وعلى ذلك الأساس كلف أبو مازن بضغط سعودي ، و ذلك بإعطائه حوالي ثلاثمائة الف دولار بمهمة حضور اجتماع “منظمة خلق” في باريس بصفة ممثلٍ عن الشعب الفلسطيني ، ليلقي خطاباً تركوا له وظيفة ملئ أسطره في الاجتماع السنوي للمنظمة الذي سيعقد في يوم الاثنين القادم ، ليهاجم فيه ايران واضعاً الخطوة الأولى في طريق تفرقة الداخل الإيراني عن قيادته ، و ليضع فيه ايران في أبشع قوائم الإرهاب الأميركية الأوربية التي ومنذ عام 2012 قتل أفرادها آلاف العراقيين والأكراد ، وقاموا بعمليات نصب واحتيال وغسيل أموال في أوروبا ، وفي الوقت ذاته يجب على أبو مازن أن ينتظر دور الإعلام السعودي والغربي ليدعم كلامه في إحداث شرخٍ في الداخل الإيراني ، متنكراً للدور الإيراني في حماية للقضية الفلسطينية .

بينما أن الواقع مختلف تماماً فإيران هي الدولة الوحيدة التي تنظر للقضية الفلسطينية نظرة مبدئية واستراتيجية ، في حين أن “الأعراب” يبنون نظرتهم تبعاً لأهدافهم ومصالحهم السياسية ، أما ايران وعلى الرغم من أخطاء بعض الحركات الفلسطينية ، بنت دائماً مواقفها تبعاً لمنفعة القضية الإسلامية التي هي ذاتها منفعة فلسطين ولم تفضل أي مكسب سياسي على التمسك بقضية الشعب الفلسطيني و أكدت دائماً على أن القدس هي جزء من عمقها الاستراتيجي .

أما ابو مازن فإنه يسعى من خلال مشاركته بهذا الاجتماع من حيث يدري أو لا يدري إلى تحقير فلسطين والشعب الفلسطيني و خصوصاً في الوقت الذي بدأت تتشكل في الضفة الغربية الانتفاضة الثالثة .

وبدلاً من إخراج الأمة الفلسطينية من العبودية يسعى أبو مازن إلى زيادة الضغط على هذه الأمة بشتى الوسائل ، ومنها قطع الكهرباء عن سكان غزة الأبرياء .

وقف إلى جانب اسرائيل ، و شارك في احتفال مع “شمعون بيريز” آملا بذلك ألا يجف نبع الدولار السعودي عنه ، وألا يموت مسموما كياسر عرفات .

إلى اليوم وفي كل وسائل الإعلام الإيرانية مازالت حدود فلسطين كاملة سواء تلك التي سلبت من قطاع غزة و أراضي الضفة الغربية في عام 1976.
وستبقى إيران الكابوس المقلق لإسرائيل وأذنابها، وستبقى ترسم حلم الطفل الفلسطيني في استرجاع تلك الأرض.

فاليوم وعلى مر الزمن أطفال فلسطين ينظرون إلى البطل الحقيقي لهم ، لا لذلك البطل المزعوم الذي صنعه الوهم العربي ، نظرةً بعيدة عن الطائفية والعرقية ، بعيدةً عن سنة وشيعة ، ذلك البطل الوحيد الذي يصبو الى قرة عين أشجار الزيتون التي ترقد بسلام هناك ، و يخاف عليها من أحذية نجسة و أيادٍ تمس طهرها ، وأرجلٍ تدنس مسجدها الأقصى .