الوعي نيوز :

أصبح الفضاء الإلكتروني منذ سنوات مكاناً مناسباً لترويج الأفكار المتطرفة واستقطاب الإرهابيين في شتى أنحاء العالم، وبات من الضروري جداً التحرك بجد للتصدي لهذا الخطر المحدق بالبشرية في كافة المناطق.

وجاء في تقرير رفعه الباحث “ستيفن سواسانتو” إلى مجلس العلاقات الخارجية للاتحاد الأوروبي إن الإنترنت الذي أضحى جزءاً لا يتجزأ عن حياة البشرية قد تحول بمرور الوقت إلى أداة بيد الإرهابيين لنشر الأفكار المتطرفة والهدّامة في مختلف أنحاء العالم.

وشدد سواسانتو على ضرورة وضع حد لهذه المخاطر من خلال تشريع قوانين تمنع استخدام الإنترنت لغرض الترويج للأفكار الإرهابية والمتطرفة تحت يافطة حرية النشر والتعبير عن الرأي، مشيراً إلى أن الحل يكمن بنشر ثقافة مضادة للتطرف تعمل على تعميق مبادئ المحبة والتسامح بين الشعوب ونبذ الكراهية والرغبة في الانتقام التي يسعى الإرهابيون لتكريسها في أوساط الشباب لاسيّما بين الشرائح الفقيرة.

الإنترنت آفة العالم المعاصر

بدأت الجماعات الإرهابية والمتطرفة بنشر أفكارها المنحرفة والهدّامة منذ زمن بعيد مستفيدة من الإمكانات التي وفرتها وسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية التي تشجع على العنف على طريقة الأفلام الأمريكية التي تنتج في هوليود. كما ساهمت الفتاوى التي يطلقها عدد من شيوخ الوهابية على صفحات الإنترنت بإشاعة هذا النوع من الأفكار التي تبيح قتل الآخرين وبأبشع الصور لمجرد الاختلاف في العقيدة أو عدم التوافق في الرؤى حيال المسائل التي يقع فيها الخلاف نتيجة تعدد القراءات أو الاجتهادات بين الطوائف، حتى وإن كانت في إطار المذهب الواحد والملّة الواحدة.

وانتشرت هذه الظاهرة في معظم الدول ومن بينها الدول الأوروبية كفرنسا التي ينشط فيها المتطرفون اليمينيون تحت اسم فاشوسفير(fachosphère) والتي تروج للعنف ضد الأجانب المقيمين في البلاد.

ومما ساهم في توسع نشاط الجماعات الإرهابية والمتطرفة هو سهولة تداول الأخبار والصور والأفلام على شبكة الإنترنت والتي ساهمت بدورها في استقطاب الكثير من العاطلين عن العمل والباحثين عن فرص للمغامرة لإحساسهم بالفراغ الفكري والعوز المادي والحاجة للشهرة والوصول إلى الملذات بأسرع وقت وبأقل التكاليف عبر التواصل مع الجماعات التي تشجع على هذه الظواهر وترصد أموالا طائلة لهذا الغرض بعد حصولها على الدعم اللازم من الدول التي تمول الإرهاب وفي مقدمتها السعودية.

سبل مواجهة التطرف في الفضاء الإلكتروني

يبدو أن حذف المواقع لإلكترونية التي تشجع على التطرف والإرهاب من قبل الشركات المسؤولة عن تزويد خدمات الإنترنت لم يعد كافياً للقضاء على هذه الظاهرة الخطرة، ولابد من اتخاذ خطوات عملية أخرى في هذا المجال من بينها فرض عقوبات مالية كبيرة على الأشخاص والشركات التي تمول هذه المواقع ورصد الجهات التي تنشر أفكاراً متطرفة على شبكة الإنترنت من أجل تقديمها إلى القضاء في محاكم خاصة تأخذ على عاتقها القيام بهذه المسؤولية، على أن يتم التنسيق بين كافة الدول والأطراف المعنية بمكافحة التطرف والإرهاب لهذا الغرض.

إلى جانب ذلك ينبغي أن تأخذ الشرطة الدولية “الإنتربول” إجراءات رادعة ضد الشبكات الممولة للتطرف والإرهاب في شتى أنحاء العالم للحد من انتشار هذه الظاهرة، وهذا الأمر يتطلب أيضاً وضع اليد على وسائل التواصل الاجتماعي التي تسهل تبادل المعلومات التي تحرض على العنف والتطرف من أجل معاقبة مالكيها أو المشرفين عليها بعد توجيه إنذار لهم بضرورة الكفّ عن نشر هذه الأفكار واستبدالها ببرامج تشجع على التسامح والمحبة بين الشعوب.

ومن أجل تتويج الجهود الرامية إلى القضاء على ظاهرة التطرف في الفضاء الإلكتروني لابد من التشجيع على فتح قنوات إنترنيتية تعمل على نشر الأفكار القادرة على تقريب وجهات النظر بين المكونات البشرية المختلفة فيما بينها نتيجة تقاطع الرؤى الأيديولوجية حيال عدد من القضايا ومن بينها التي تتعلق بالخلافات المذهبية والقومية والعرقية، والتحرك باتجاه دعم أي مجهود لردم الهوّة بين هذه الأصناف من خلال التشجيع على الحوار الإيجابي والبنّاء ونبذ أي شكل من أشكال الكراهية لأي سبب من الأسباب.

ولابد من التأكيد هنا على ضرورة تولي النخب الثقافية المتنورة للقيام بهذه المهمة الشائكة والحساسة كي لا تتحول النقاشات الفكرية إلى مهاترات وسجالات عقيمة لأن الفكر كما هو معروف عبارة عن سلاح ذو حدّين، وقد يؤدي إلى عواقب وخيمة إن لم يتم استخدامه وتوظيفه بشكل إيجابي وبنّاء لمعالجة الظواهر الخطرة وفي مقدمتها التطرف والإرهاب، وهذه المسؤولية يجب أن تكون تضامنية بين كافة الدول والجهات التي تحرص على مكافحة ظاهرة العنف والجريمة المنظمة التي أودت بحياة أعداد كبيرة من البشر وتسببت بأضرار كبيرة للبنى التحتية لكثير من الدول في شتى أنحاء العالم.