الوعي نيوز :

ما أن تنفس العراقيون الصعداء وهم يشاهدون بريق الأمل يتصاعد بعد أن سطروا أروع الملاحم ضد خوارج العصر داعش الإرهابي واذا بهم يرون أنفسهم مرة أخرى على شفرة حفرة من حرب لا تقل خطورة وسوءا عن الحرب التي خرجوا بها تواً منتصرين ومرفوعي الرأس، حربٌ ستخلِّف أنهاراً من الدماء ليستمر مسلسل سفك الدم العراقي.

قبل أشهر قليلة اتفقت الأطراف الكردية في شمال العراق على عزمهم إجراء استفتاء في 25 سمبتمبر من العام الحالي لتحديد مصير كردستان العراق وإنفصالها عن بغداد لتكوين دولة خاصة بالقومية الكردية التي تمثل ثاني أكبر قومية في العراق بعد العرب.

أثار توقيت الاستفتاء جدلا واسعا على الصعيد الداخلي والخارجي، توقيت حرج يتزامن مع مساعي الحكومة العراقية لبدء مرحلة جديدة من التعايش السلمي والحفاظ على سيادة البلد بعد أن عاث تنظيم داعش الإرهابي الخراب والدمار في جميع المدن التي حل بها واحتلها على طريقته الهمجية العمياء.

واجه الاستفتاء ردود أفعال دولية ومحلية واسعة تمثلت في الصعيد الدولي برفض إجراء الإستفتاء وضرورة دعم وحدة الأراضي العراقية والاحتكام إلى طاولة الحوار مع بغداد لحل المشاكل العالقة فيما تحفظت دول أخرى على توقيت الاستفتاء واصفة إياه بغير المناسب في الوقت الراهن. أما على الصعيد المحلي فقد أعلن رئيس الوزراء العراقي عن معارضته لإنفصال إقليم كردستان عن العراق وأكد على ضرورة الالتزام بالدستور العراقي الذي ينص على وحدة البلاد، كما اتفقت أغلبية القوى السياسية العراقية على رفضهم للانفصال داعين في ذات الوقت إلى احترام الدستور واتخاذه كمرجعية سياسية لتحديد العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، وفي وقت سابق اعتبر النائب عن دولة القانون محمد الصهيود إجراء الاستفتاء بأنه “ورقة سياسية لتحقيق مصالح شخصية وحزبية.”

أما في داخل البيت الكردي فالخلافات والصراعات بين الأحزاب الكردية ستكون إحدى العوائق الرئيسية التي ستوضع أمام الاستفتاء. فكل من حركة التغيير وحزب الجماعة الإسلامية من الأطراف الكردية التي تخالف إجراء الاستفتاء في هذه الظروف، فهما يخالفان الإجراءات القانونية التي تتعلق بالاستفتاء ولم يشاركا في مؤتمرات لجنة الاستفتاء، كما اعتبروا أن هذه المؤتمرات لا تملك صبغة شرعية ولا قيمة لها لكون البرلمان الكردي كانت أبوابه مغلقة ومُعطّل عن العمل.

وعلى ضوء ذلك طالب بعض قادة الاتحاد الوطني الكردستاني والاتحاد الإسلامي بإجراء هذا الإستفتاء من خلال تمريره بالبرلمان الكردستاني والطرق القانونية. ويرى مسؤولون كبار في الاتحاد الوطني الكردستاني أن إعادة تفعيل برلمان الإقليم ومداولة نشاطه سيمنح إجراء الاستفتاء قوة واسناد أكبر إضافة إلى وجوب إجراء مفاوضات مع حكومة بغداد ومع دول المنطقة والعالم.

السبب الأخر الذي يضع إجراء الاستفتاء في دائرة الصعوبات هو رفض الطوائف والقوميات غير الكردية الساكنة في إقليم كردستان على الانفصال كالشبك والايزديين والتركمان والعرب والمسيحيين خاصة في المناطق المتنازع عليها، في حين يسعى مسعود بارازاني رئيس الإقليم المنتهية ولايته عن طريق سبل مختلفة كالشاشات التلفزيونية والتصريحات ونشر مقالات في صحيفة نيويورك بوست الأمريكية إلى تأكيد إجرائه للإستفتاء.

كل ذلك أدى إلى تشكيل حملة “لا لا للإستفتاء حاليا” الذي له أهمية خاصة من عدة جهات، أولا إن تشكيل حركة داخل إقليم كردستان وحصوله على دعم من مختلف الأطراف والجهات الكردية يبين مدى وعي الرأي العام بخطورة إجراء الاستفتاء وتداعياته السلبية عليهم. وثانيا بإمكان هذه الحركة وضع حاجز يمنع الصراعات والمعارك التي قد تنشأ بين القوميات والمكونات العراقية بعد اجتثاث غدة داعش من العراق بشكل نهائي.

وفي ذات السياق انطلقت في محافظة السليمانية بالعراق حملة “لا لا للإستفتاء حاليا” بمشاركة عدد من البرلمانيين والشخصيات السياسية والأكاديمية في كردستان، وسط تأكيدات أن إجراء الاستفتاء في الوقت الحالي لا يخدم المصالح العليا لأبناء كردستان العراق.

وقال المتحدث باسم الحملة رابون معروف في مؤتمر صحفي: “إن إجراء الاستفتاء في الوقت الحالي لا يخدم المصالح العليا لأبناء كردستان” مضيفا: “إن هذا الاستفتاء ليست خطوة بإتجاه الاستقلال وتأسيس دولة جمهورية ديمقراطية عادلة، وإنما يهدف إلى تفكك الأهداف وضياعها”، وتابع إن “الأطراف التي تساند الاستفتاء تتألف من الأحزاب التي تدير الإقليم منذ عام 1991 والتي تعتبر اسوأ أنظمة الحكم على أبناء هذا الإقليم”، مطالبا بـ”إلغاء قرار الاستفتاء في 25 ايلول المقبل”، وشدد معروف على “ضرورة إجراء الاستفتاء في حال توفر آليات وظروف الاستقلال”، داعيا المواطنين إلى “دعم الحملة من أجل مستقبل أفضل لأجيالنا وحمايته من الكوارث”.

المعطيات والمواقف الدولية والإقليمية تشير إلى صعوبة انفصال كردستان عن العراق خاصة وإن الدول المجاورة لها رفضت تقسيم العراق وإنقسامه، فموقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية المبدئي قائم على ضرورة حفظ وحدة الأراضي العراقية وهذا ما أكدته خلال الزيارة التي قام بها جلال الطالباني لها، وكذلك موقف تركيا رغم أنها حليف البارزاني القوي لكنها رفضت الانفصال معتبرة إياه خطأ فادح لما يشكله ذلك من تهديد وخطر جدي على مصالحها وحدودها وسيادتها. فيما اعتبر البارزاني أن سبب الرفض التركي – الإيراني للإستفتاء على استقلال الإقليم يعود إلى وجود الكرد في بلدانهم.

قد يكون القرار الأدنى الذي سيتم اتخاذه من قبل الأطراف الكردية هو تأجيل الاستفتاء إلى أن ترتسم الصورة بشكل أوضح لأن اجراء الاستفتاء في هكذا توقيت سيكون له تداعيات وتبعات خطيرة تضر بالأكراد أنفسهم قبل أن تضر غيرهم.

العراقيون خاضوا منذ سقوط الطاغية إلى اليوم تجربة الانقسام الاجتماعي –وحتى الطائفي- بين مكوناته وأطيافه ولم يسفر ذلك عن شئ سوى الحروب والدماء والدمار مما فرش الأرضية للمتآمرين على العراق والعملاء أن ينفذوا أجنداتهم الخبيثة ومخططاتهم الشريرة بسهولة وبدون مصاعب، أفلم يحن الوقت لكي يخوضوا تجربة التعايش السلمي والمصالحة الوطنية والعيش بود وسلام والحد من سفك دماءهم التي باتت رخيصة في تلك السنين، تجربة ستكون ثمارها بلا شك سَوق سفينة العراق إلى بر الأمان والنهوض به كبلد قوي ذي مستقبل واعد يتمتع بقوميات وطوائف مختلفة لكنها متحدة رغم اختلافها القومي والمكوناتي.