الوعي نيوز :

في لقاء مع مختلف أوساط المجتمع، قال قائد الثورة الإسلامية «بعد نهاية المفاوضات النووية، سمعت الصهاينة في فلسطين المحتلة يقولون، بفضل هذه المفاوضات، سنرتاح من معضلة إيران لمدة ٢٥ سنة؛ سنفكر في الأمر بعد ٢٥ سنة. أقول لهم، أولًا، أنتم لن تروا الـ ٢٥ سنة القادمة.إن شاء الله، بعد ٢٥ سنة، بالتوفيق والفضل الإلهي، لن يكون هناك ما يسمّى بالكيان الصهيوني في المنطقة».

يمكن توضيح كلام القائد الأعلى للثورة الإسلامية عن زوال الكيان الصهيوني من خلال شواهد ووقائع موجودة في المنطقة. نعرض في هذه المقالة بعض التحديات والثغرات التي تهدد “بقاء” الكيان الصهيوني.

الشرخ العرقي-الطبقي

واحد من أهم الشروخ التي أخذت المجتمع الصهيوني باتجاه عدم الرضا والإستقرار في الآونة الأخيرة هو “التمييز العرقي-الطبقي”. يتكوّن المجتمع الصهيوني من فئتين رئيسيتين، الأشكنازيون و السفارديون. يهود السفارديم أو السفارديون هم الذين سكنوا في شبه جزيرة “ايبيريا”، وتشمل إسبانيا والبرتغال، وبعد سقوط الخلافة الإسلامية في الأندلس في عام ١٤٩٢ للميلاد، هاجروا إلى جنوب أوروبا، وشمال أفريقيا، وسكنوا في مدن لندن، آمستردام، وهامبورغ. اليوم، توسعت معاني كلمة “سفاردي” وشملت المجموعات اليهودية في أفريقيا، والعراق، وسوريا، واليونان، وتركيا، وآخرين من غير الأشكنازيين. الأشكنازيون هم مجموعة رئيسية أخرى من الكيان الصهيوني. كلمة “أشكناز” هي كلمة عبرية تطلق على الألمان، وبالتالي الأشكنازيون هم في الأصل بمعنى يهود ألمانيا، وتدريجيًا، أُطلق على كل اليهود الذين أتوا من أوروبا و أمريكا إلى فلسطين.

هناك عداء قديم بين السفارديم والأشكناز؛ فيهود السفارديم كانوا أشراف اليهود، وكانوا يشعرون بالخجل من جيرانهم الأشكناز، فسعوا دائمًا أن يظلوا على مسافة منهم ولم يتعبدوا معهم أو يتزوجوا منهم. لكن، لاحقًا، تغير الوضع كليًا. ففي الوقت الذي تحوّل السفارديون إلى أقليّة، كان الأشكنازيون قد أوجدوا لأنفسهم موقع بارزًا في الحضارة الغربية، وكذلك في الكيان الصهيوني. يعتقد بعض المحللين أن الشرخ الحاصل بين السفرديم والأشكناز هو شرخ إقتصادي أكثر من كونه شرخًا عقائديًا. لذلك، يمكن إصلاحه. لكن، يعتقد البعض الآخر أن هذا التفاوت هو تفاوت أساسي، حيث أن الجيل الثالث من السفاردم ما يزالون من الطبقة العاملة والطبقة الدنيا، في حين أن نسل الأشكناز هم من الطبقة المتوسطة العليا. بعض قادة العدو الصهيوني أسموا يهود السفاردم بيهود قرون الوسطى ما يُظهر الشرخ الواسع بينهم وبين الأشكنازيين. حتى أن الأشكنازيون يعتقدون بتخلّف السفاردم من الناحية المنطقية. الأشكناز والسفاردم يعتبران بعضها البعض نجس ويمنعون الزواج من بعضهم البعض.

من الناحية الإقتصادية، فإن السياسات العامة تهدف إلى تعزيز البنيان الإقتصادي للأشكناز وفقر وبطالة ويأس السفاردم. نتيجةً لهذه السياسات، وجدت الطبقة العليا والسفلى ضمن المجتمع اليهودي. من الناحية السياسية، نيل المناصب العليا في الحكومة الصهيونية أمرٌ صعب إن لم يكن مستحيلًا على السفارديون. الإحصاءات المرتبطة بعدد السفارديون في الكنيست أو الحكومة تبيّن حجم التمييز السياسي الذي يحكم هذه الفئة. أما بالنسبة للمجال العسكري، فكذلك، أكثر المناصب المهمة هي تحت سيطرة الأشكناز، والمسؤوليات الصعبة والخطيرة في الجيش تقع على عاتق السفاريين. وفقًا للمحللين، فإن هذا الشرخ الإجتماعي يمكن أن يؤدي إلى إنهيار الكيان مع مرور الوقت.

الشرخ الديني-العلماني

أحد الخلافات الأساسية الأخرى في المجتمع الصهيوني تدور حول مفاهيم أساسية مثل اليهودية، الصهيونية، والدولة. هذا الخلاف قائم بين المتطرفين الصهيونيين من جهة، وبين مؤيدي “ما بعد الصهيونية” من العلمانيين اليهود من جهة أخرى. خلال العقود الثلاث الماضية، تعززت الميول الدينية في المجتمع الصهيوني، وبالتالي، الشرخ بين المتطرفين والعلمانيين. في هذه الظروف، الكيان الصهيوني غير قادر على إدارة النزاعات المذهبية كما يحلو له. تدعو الأحزاب والتيارات المتطرفة إلى تعريف الكيان الصهيوني ككيانٍ يهودي وبنيانٍ للتمييز المذهبي. في حين، تسعى الأحزاب والتيارات العلمانية إلى دمج الأقليات من غير اليهود في هذا المجتمع للتأكيد على علمانية الكيان. الهوية التي حولها مؤسسي الصهيونية إلى عقيدة غالبة من حيث الشروخ القومية-المذهبية، أوجدت مشاكل قومية-مذهبية في المجتمع الصهيوني، وأظهرت الخلافات الباطنية للعقيدة الصهيونية أكثر من أي وقتٍ مضى. الأقليات القومية-المذهبية، وحتى اليهود أنفسهم، إعترفوا بهذه الخلافات. في الحقيقة، ومع مرور الوقت، ظهرت الخلافات والتناقضات للأسس العقائدية للكيان الصهيوني على العيان بشكل جلي أكثر؛ بطريقةٍ أخرست ألسن مناصري هذا الكيان الغاصب.

الهجرة العكسية

تشكل الكيان الصهيوني على أساس تشجيع اليهود على الهجرة من كل أصقاع الأرض نحو فلسطين. رغم نجاح الصهاينة في إستقدام حشد كبير إلى كيانهم، لكنهم اليوم يواجهون ظاهرة “الهجرة المعاكسة”. هذه الظاهرة تتسم بهجرة المستوطنين من الأراضي المحتلة، لأسباب مختلفة، لا سيما إنعدام الأمن المستمر وعدم تحقق حلم “الرفاه الإجتماعي”، إلى بلدانٍ أخرى. تأسس الكيان الصهيوني على الهجرة. لا تؤثر الهجرة العكسية على عدد السكان ونسبة نموه فحسب، بل يمكن القول أنها متغير مهم في تحديد الخصائص العرقية والقافية، وفي تشكيل البنية الطبقية للمجتمع “الإسرائيلي”.

أكدت إحدى الدراسات الجديدة التي أجريت في الأراضي المحتلة أن مليون مستوطن غادر الأراضي المحتلة خلال العقدين الماضيين. طبقًا لتقارير رسمية للكيان، في الوقت الراهن، هناك حوالي ٧٥٠إلى ٨٥٠ ألف يهودي يحملون الجنسية “الإسرائيلية” يعيشون خارج الأراضي المحتلة. ظاهرة الهجرة العكسية لا تقف عند هجرة هؤلاء المليون مستوطن من الأراضي المحتلة، بل تتجاوز ذلك، حيث هناك الكثير من المستوطنين الصهيونيين الذين يسكنون في الأراضي المحتلة في صدد الحصول على جوزات سفر خارجية. في دراسات إستقصائية أجريت في هذا الصدد، “ضعف الفكرة الصهيونية” و “إنخفاض الأمن والرفاه الإجتماعي” هما من أهم عوامل هذه الهجرة.

في عام ٢٠١٤ للميلاد، نشرت القناة العاشرة الصهيونية نتائج إستطلاع رأي حول الهجرة العكسية في “إسرائيل”. بناءًا على هذا الإستطلاع، أكثر من نصف مليون مستوطن مستعد للهجرة بسبب سوء المعيشة، وخمسون بالمئة من المستوطنين يفكرون بتحضير أنفسهم للهجرة. أعلنت هذه القناة أيضًا أن ثمانمئة ألف شخص غادروا “إسرائيل” إلى الآن بشكل دائم.

في الوقت نفسه، قامت ستة عشر مؤسسة للبحوث في الولايات المتحدة الأميركية بالتحقيق في هذا الأمر، ووصلوا إلى هذه النتيجة، بأن “إسرائيل” ستزول من الوجود في عام ٢٠٢٥. مؤسسات الأمن الأمريكية تتابع تحقيقها بالأمر وتعلن بأن اليهود تهاجر من الأراضي المحتلة بمعدل مرتفع جدًا إلى دول أخرى. بالإضافة، وضعت وكالة الإستخبارات الأميركية أمام مجلس الشيوخ ومجلس النواب تقريرًا يؤكد أن إسرائيل لن تستمر إلى ما بعد عام ٢٠٢٩ وستزول من الوجود. سوء الأوضاع الإقتصادية، والتهديدات الأمنية، وضعف حس الإنتماء للديانة اليهودية، تكاد تكون من أهم أسباب الهجرة العكسية من “إسرائيل”.

مشاكل الأمن العسكري

قبل ١١ عامًا، هُزم الكيان الصهيوني في حربه الرابعة ضد حزب الله في لبنان، وفصائل المقاومة الفلسطينية. النقطة المهمة في هذا الصدد هو أن “إسرائيل” كانت مزوّدة بأعتى وأحدث الأسلحة من قبل حلفائها الغربيين. في حرب الـ ٣٣ يومًا، وحرب الـ ٢٢ يومًا ، وحرب السبعة أيام، لم تكن المقاومة تمتلك القدرات العسكرية التي توافق تلك التي يملكها العدو الصهيوني، لكن، مع ذلك، إنتصرت. أما في حرب الـ ٥١ يومًا، تغيرت الأوضاع، فاجأ المقاومون الفلسطينيون الجيش الصهيوني بمعدات عسكرية، وإعترف العدو بهزيمةٍ أخرى. الآن، أعلنت فصائل المقاومة عن امتلاكها أسلحة وصواريخ متطورة أكثر من قبل، وبالتالي، التهديدات الأمنية وضعت وجود هذا الكيان في معضلة مجددًا. بلا شك، التهديدات الأمنية هي من أحد أهم أسباب الهجرة العكسية إلى خارج الأراضي المحتلة.

آخذين كل هذه التحدّيات والشروخ التي يعاني منها الكيان الصهيوني، يمكن القول أن تنبؤ القائد الأعلى للثورة الإسلامية، السيد علي الخامنئي، حول زوال “إسرائيل” خلال الـ ٢٥ سنة القادمة، يتوافق مع الحقائق بشكلٍ كامل. لربما عمر هذا الكيان بات معدودًا.