الوعي نيوز :

اختصر المحلل الإسرائيلي يوسي ميلمان واقع الحال بوصفه زيارة الوفد الأمني الإسرائيلي الأخيرة بقيادة رئيس الموساد إلى واشنطن لبحث نفوذ إيران وحزب الله في سوريا بأنها “مشاركة في جنازة دفن السياسة الأميركية في سوريا، بحيث أن المعزّين هم الأميركيون والثكلى هي إسرائيل”.

تبدو “إسرائيل” أشدّ الأطراف الإقليمية استشعارًا للخسارة في سوريا في هذه المرحلة؛ الأجواء التي تنقلها الصحافة العبرية تشي بقلقٍ وإرباكٍ غير مسبوقين منذ بدء الحرب السورية.

لا يتعلق الأمر برضوخ الغرب لبقاء بشار الأسد في السلطة، ولا لنجاح روسيا في خطة مناطق خفض التصعيد. ما يقلق إسرائيل هو أن مصلحتها في إضعاف المحور المعادي لها عبر سوريا لم تنجح، بل انقلبت فرصةً أحسَنَ أعداؤها استثمارها بعد 7 سنوات من الصمود، ليرسموا واقعاً جديداً أشدّ تعقيداً بالنسبة للحسابات الإسرائيلية.

جلب التآمر على سوريا حلفاءها إليها، وربط الحلفاء مصيرهم بمصير سوريا، فتحولت الفرصة الإسرائيلية إلى تهديد لها.

لا تخفي تل أبيب قلقها من “انتشار النفوذ الإيراني” وتعاظم قوة حزب الله بفعل الأزمة السورية.

هذا الثبات الميداني هو السبب المباشر للتغير في موقف الغرب وعدم اشتراط رحيل الأسد كشرط مسبق للتسوية.

يستعد الجميع للملمة أوراقهم وإعادة ترتيب أولوياتهم بوجود الأسد رئيساً، حتى أن الأردن بات لا يجد حرجاً في الحديث عن إعادة العلاقات مع سوريا، نتيجة للـ “ظروف في جنوبها”.

مفصلان رئيسيان أعادا قلب الدفة في السنوات الماضية؛ معركة حلب ومعركة الحدود العراقية السورية امتدادًا حتى جبهة الجنوب.

اختصر المحلل الإسرائيلي المقرب من المؤسسة الأمنية يوسي ميلمان واقع الحال بوصفه زيارة الوفد الأمني الإسرائيلي الأخيرة بقيادة رئيس الموساد يوسي كوهين إلى الولايات المتحدة لبحث نفوذ إيران وحزب الله في سوريا بأنها “مشاركة في جنازة دفن السياسة الأميركية في سوريا، بحيث أن المعزّين هم الأميركيون والثكلى هي إسرائيل”.

أمام هذا الواقع، ما هي خيارات “إسرائيل” الفعلية في سوريا؟

حسمت تجربة حرب تموز 2006 الجدل حول ذهاب “إسرائيل” إلى أي عمل عسكري واسع من دون غطاء أميركي. في الحقيقة لم تخرق تل أبيب هذه القاعدة في تاريخها الحديث. هي تأخذ بعين الإعتبار الوجود الروسي في المنطقة، من دون أن يعني هذا بالضرورة وجود موقف مسبق لموسكو إزاء أي معركة تقرر إسرائيل الدخول فيها بالمطلق. من الأكيد أن حسابات الروس تختلف في قياس الأوزان حين يتعلق الأمر بإيران مقارنةً بحزب الله أو حماس على سبيل المثال.

لكن المقصود هنا هو أن العامل الروسي الذي تمسك بالحل الدبلوماسي بالتوازي مع الخيار العسكري لن يكون من مصلحته اشتعال جبهة أخرى في هذه المنطقة من العالم.

ولا داعي للخوض كثيراً في سيناريوهات أي مواجهة إسرائيلية مقبلة سواء مع إيران أو حزب الله، بعد أن صارت إسرائيل نفسها خبيرة في تقدير ظروف هكذا مواجهة وتحسب لها الأسوأ، ولكن هل يعني هذا استبعاد خيار الحرب بالكامل؟

للمرة الأولى قد لا يكون هذا هو السؤال الهام في سياق الصراع. في العام 2006، حين فشلت إسرائيل في تحقيق الأهداف المعلنة (المتحركة) للحرب، أعلن حزب الله أنه انتصر.

على المنوال نفسه، فشلت الحرب على سوريا في إخراجها من موقعها السياسي، ويمكن بالتالي الحديث عن إنتصار يحتاج إلى قيامة إقتصادية وإصلاح سياسي ليكتمل.

لكن هل بمقدور “إسرائيل” أن تتحملّ هكذا نتيجة؟

في السنوات الأخيرة، عززت تل أبيب من علاقاتها في جنوب شرق آسيا، وبنتْ آمالاً اقتصادية أكبر على الصين والهند. تقرأ “إسرائيل” منذ سنوات في تراجع الدور الأميركي إقليمياً وعالمياً لصالح نظام متعدد الأقطاب. علاقتها الجيدة بروسيا تصبّ في الإطار نفسه.

المشكلة التي تعانيها “إسرائيل” هي في تراجع النفوذ الأميركي في المنطقة. وللإجابة على السؤال حول مدى قدرة تل ابيب على التأقلم مع هكذا تحوّل، يجب البحث في ما طرحه باحثون ودبلوماسيون أميركيون وإسرائيليون بعد حرب تموز 2006 مباشرة: هل لا تزال إسرائيل مصلحة استراتيجية لأميركا؟

في المدى المنظور نعم، ولكن التحولات الكبرى من قبيل الإنتقال من الأحادية القطبية إلى التعدد تفترض تغيراً في التحالفات الدولية والإقليمية مع الوقت.

لقد أفرزت الموجة الأولى من “الربيع العربي” ديناميةً غير مستقرة بالنسبة للإحتلال. وقد تركز جهد تل أبيب في الأشهر الأولى من “الربيع العربي” على الإنتقال من محاولة الإجابة عن سؤال مدى موائمة ما يجري مع مصالح “إسرائيل” إلى ركوب الموجة وتجيير الأحداث لصالحها.

وإذا ما اعتبرنا أن التسوية السورية ستحدد مصير “الربيع العربي” وتوجه بوصلته، فإنّ إرهاصات التسوية الدولية التي نعيش أيامها حالياً وما يليها بفترة قصيرة يشكلّ المساحة الزمنية اللازمة كي تخرج إسرائيل بخلاصة من المداولات والنقاشات العلنية إلى واحدة من إثنتين: تثبيت أركان تحالفاتها الخليجية بشكل يعوضّ ما خسرته من التراجع الأميركي أو نقل المعركة إلى ساحة أخرى في المحور المقابل، من دون الحاجة إلى اللجوء إلى حرب مباشرة واسعة.