الوعي نيوز:

ما أن هبطت طائرة الملك سلمان عبد العزيز على مدرَّج مطار “فنوكوفو 2” الموسكوفيّ، مساء أمس الأربعاء، حتّى وقفت فرقة حرس الشرف الروسيّة على أهبّة الاستعداد لاستقبال ضيفٍ رسميٍّ لم يسبِق لها أن رحَّبت بمن يرتقي إلى مستوى جلالته داخل الأسرة الحاكمة في المملكة العربيّة السعوديّة من قبل، الأمر الذي سرعان ما أضفى على المناسبة طابع الحدث التاريخيّ بامتيازٍ، وذلك لاعتباراتٍ عديدةٍ تحمل في مجملها الكثير من الإيحاءات والمعاني الرمزيّة، ليس بالضرورة لأنّ هذه هي المرّة الأولى التي يصل فيها عاهلٌ سعوديٌّ إلى روسيا منذ عام 1926 وحسب، وإنّما لأنّ الزيارة، بحدِّ ذاتها، تأتي في توقيتٍ بالغِ الأهمّيّة من حيث دلالاته المتعلِّقة برسم ملامح الشرق الأوسط الجديد، بقدرة الروسيّ وليس الأميركيّ هذه المرّة، ولا سيّما بعدما أصبح في حكم المؤكَّد أنّ إدارة الرئيس فلاديمير بوتين تمكَّنت من تحقيق ما يليق بها من إنجازاتٍ سياسيّةٍ وعسكريّةٍ واستراتيجيّةٍ في المنطقة، عَبْر البوّابة السوريّة، تمامًا مثلما أصبح في حكم المؤكَّد أيضًا أنّ الإدارات الأميركيّة التي تعاقبت على تسلُّم مقاليد الحكم في البيت الأبيض، منذ مطلع الألفيّة الثالثة ولغاية مطلع العام الحاليّ، لم تدَّخِر جهدًا إلّا وبذلته على طريق السعي إلى رمي العالم العربيّ، من أقصاه إلى أقصاه، وعَبْر بوّاباتٍ مختلِفةٍ، في الجحيم.

لا شكّ في أنّ القيادة السعوديّة تُدرِك أبعاد المغزى من وراء هذا الكلام في الوقت الراهن أكثر من سواها بكثيرٍ، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ المحاولات الأميركيّة المتكرِّرة لاستنزاف قدراتها في مختلف المجالات السياسيّة والاقتصاديّة، وحتّى الدينيّة، لم تتوقَّف طيلة السنواتِ السبعَ عشرةَ الماضيةِ عند أيِّ حدٍّ، بدءًا من زجِّ أسماء بعض الرعايا السعوديّين في قائمة المتورِّطين في القيام بتنفيذ هجمات الحادي عشر من أيلول عام 2001 على برجيْ مركز التجارة العالميّ في نيويورك ومقرّ البنتاغون في واشنطن، مرورًا بإجبارها على الانصياع لإبرة بوصلة توجُّهات الرئيس جورج دبليو بوش أثناء حربه على “أسلحة الدمار الشامل” في العراق عام 2003، ومن ثمّ لإبرة بوصلة توجُّهات خلَفه باراك أوباما في غمرة تداعيات ما اتُّفق على تسميته مجازًا بـ “ربيع العرب” عام 2011، ووصولًا إلى تحميلها تبعات التلويح بعصا قانون “جاستا” الذي بلغت تكلفة الحيلولة دون وضعه حيِّز التنفيذ لدى زيارة الرئيس دونالد ترامب الأخيرة للرياض قرابة الخمسِمئة مليارِ دولارٍ، وهي المحاولات التي كان لا بدّ من مواجهتها في نهاية المطاف عن طريق اتّخاذ قرار الذهاب، بمقامٍ ملكيٍّ، إلى موسكو، أملًا في كبح جماحها بحزمٍ، وبالتالي، سعيًا إلى الاستجابة، بعقلانيّةٍ، للصوت الروسيّ الذي لم يكفّ يومًا عن الدعوة إلى وجوب الالتزام بالمحافظة على مكانة الجميع، وعلى مصالحهم، داخل الأسرة الدوليّة، وتحت مظلّةِ عالمٍ متعدِّد الأقطاب.

عفاريت “داعش”

على هذا الأساس، ومع الأخذ في الاعتبار مسبَقًا أنّ الإسراف في التفاؤل بخصوص إمكانيّة طرد العفريت الأميركيّ من الجسم العربيّ بسهولةٍ قد يكون في مكانه أم لا، وخصوصًا في هذا الوقت الذي لا يزال يشهد على قيام اللاعب الروسيّ الجديد في الشرق الأوسط بالكشف عن ألاعيب الولايات المتّحدة القديمة والمتجدِّدة مع عفاريت التنظيمات والجماعات والفصائل الإرهابيّة في كلٍّ من سوريا والعراق، بمن فيهم “داعش” ومشتقّاته، يومًا بعد يومٍ، فإنّ الأمر الذي لا يمكن أن يخضع للجدل هنا يتمثَّل في أنّ الخطوة التي أقدَم عليها العاهل السعوديّ لدى هبوط طائرته الملكيّة البارحة على مدرَّج مطار “فنوكوفو 2” هي الأصوب من نوعها في الاتّجاه الصحيح على طريق المساهمة بفاعليّةٍ في ترسيخ مفاهيم الدعوة إلى وجوبِ طيِّ صفحةِ زمانِ أحاديّةِ القطب في عالمنا المعاصر، وفقًا لأسس العقيدة السياسيّة التي كان الرئيس بوتين نفسه قد أرسى دعائمها في اليوم الأوّل من أيّام القرن الحادي والعشرين، وخصوصًا عندما قال ما حرفيّته: “إنّ روسيا الاتّحاديّة دولةٌ ما زالت تمتلك الكثير من عناصر القوّة، وهي ترغب في استخدامها مع الآخرين، وليس ضدَّهم، من أجل بناء عالمٍ متعدِّد الأقطاب”.

الجيمسبونديّة الغربيّة

وإذا كان للصحافيّ الحقّ في أن يُفاخِر أحيانًا، وبعد مرور أكثر من أربعين عامًا من الزمان على بداية مسيرته المهنيّة، بأنّ الرهان الذي وضعه في مطلع الألفيّة الثالثة بين أروقة قصر الكرملين في موسكو يكاد يعود عليه بربحٍ وفيرٍ من العنفوان والامتنان، وبما لا يُقدَّر بالأثمان، على غرار ما يحقّ لي أن أشعر به للتوّ في هذا اليوم التاريخيّ، فإنّ مردّ ذلك يمكن أن يُختصَر في فحوى فقرةٍ موجزةٍ وذاتِ دلالةٍ واضحةٍ من التمهيد لكتابي الصادر عن “دار سائر المشرق” في بيروت عام 2015 تحت عنوان “البوتينيّة – أسس العقيدة السياسيّة الروسيّة الحديثة”، وهذا نصُّها:

“… ولعلّ نظرةً واحدةً بالعين المجرَّدة، وبتجرُّدٍ، إلى ما شهدته السنوات العجاف التي مرَّت في الروزنامة الروسيّة خلال عقد التسعينيّات من القرن العشرين، لا بدّ من أن تكون كافيةً لإقناع الرائي بأنّ سمات الضعف التي صُبِغت بها مرحلة حكم الرئيس الراحل بوريس يلتسين من بدايتها إلى نهايتها، وإنْ كانت هي التي فتحت الباب الروسيّ على مصراعيه أمام ظهور طبقةٍ من المفسدين المحلّيّين مثل طواغيت المال الأوليغارشيّين الذين أمعنوا باسم الخصخصة في نهب ثروات البلاد وخيراتها، ما أدّى إلى تجريدها من أهمّ عناصر قوّتها وهيبتها على الصعيدين الداخليّ والخارجيّ، ولكنّ ما زاد الطين بلّةً هو أنّ الطريقة الجيمسبونديّة التي تعامل بها الغرب الأميركيّ والأوروبيّ على حدٍّ سواء، تحت تأثيرات عقليّة الحرب الباردة، مع تداعيات تفكُّك الاتّحاد السوفييتيّ وإقفال ملفّ حقبة الحكم الشيوعيّ في البلاد، أدّت بدورها إلى ترك بصماتها السلبيّة بوضوحٍ على مختلف قطاعات الحياة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة في هذه الدولة العريقة التي كانت تشكُّل حتّى الأمس القريب الكفّة الأخرى في مكيال التوازن الدوليّ أمام الولايات المتّحدة، وأصابت كبرياء وعنفوان المواطنين الروس في الصميم، الأمر الذي أفسح في المجال أمام الأميركيّين للاسترسال في استباحة شرف العالم واغتصاب ماضيه وحاضره ومستقبله، وأعطاهم فرصةً نادرةً لإعادة رسم خريطته على شاكلةِ جمهوريّاتِ موزٍ ونفطٍ ورعبٍ وعلبِ ليلٍ، بما يتناسب مع نَهَم مصالحهم الحيويّة المستوحى في الأصل من نزعةٍ استبداديّةٍ حاقدة”.

النهج البوتينيّ

“من هنا، يظهر جليًّا أنّ صعود نجم فلاديمير بوتين في الحياة السياسيّة الروسيّة، لم يكن مجرَّدَ ضرورةٍ محلّيّةٍ استوجبتها الرغبة في استعادة ما ضيّعه الزمان من علاماتٍ فارقةٍ كانت تزيِّن صدر هذه البلاد الجميلة وحسب، بل كان ضرورةً عالميّةً ظلّ منسوب الحاجة إليها يرتفع باستمرارٍ كلّما كان الأميركيّون يمعنون أكثر في السعي إلى إشباع نزق غرائزهم الفتنويّة الدنيئة، على حساب الاستقرار الدوليّ، وعن طريق تهديد المصالح القوميّة والوطنيّة والاستراتيجيّة لمعظم دول العالم، بما فيها روسيا”.

وحسبي أنّ هذا الكلام، على غرار فحوى كتابي الآنف الذكر، لا يعدو عن كونه أكثر أو أقلّ من خطوةٍ جادّةٍ على طريق الردّ، عربيًّا، على ما شوّهه الغرب من جماليّة صورة روسيا وطبيعة مواقف إدارتها السياسيّة، بحُلوِها ومُرِّها، وانتصاراتها وانكساراتها، وأحلامها وكوابيسها.. والخير دائمًا في العلامة الفارقة للقمّة الروسيّة – السعوديّة التي ستُعقد اليوم في قصر الكرملين، وما سيليها من تطوّراتٍ هامّةٍ على الساحة الشرق أوسطيّة، من وراء القصد!