الوعي نيوز :

اليوم دخلت الأزمة البحرينية منعطفاً جديداً مع تدهور الحال الصحية للشيخ عيسى القاسم، بعد أن كان النظام قد تدرّج في محاولة استهدافه معنوياً منذ سبعينات القرن الماضي، حين تم حلّ المجلس الوطني عام 1971 منعاً للسماح بتشكّل معارضة فاعِلة من داخل النظام، لتتوالى أعمال القمع طوال عقود من الزمن وتبلغ ذروتها بسحب جنسية الشيخ في منتصف العام 2016.

يروي أحد المقاومين في حزب الله أنه في العام 2008 كان في رحلة سفر إلى إيران. وصودِف أنه خلال زيارة مرقد الإمام علي الرضا، الإمام الثامن لدى المسلمين الشيعة، في مدينة “مشهد”، وصل وفد بحريني يتقدّمه شيخ كبير في العُمر بهيّ الطلعة. كان المقاوِم يتجهّز للصلاة برفقة أحد أصدقائه في الحرس الثوري الإيراني، فاستأذنه الأخير ليعود بعد بضع ثوانٍ برفقة الشيخ البحريني ومن خلفه آلاف الزوّار. اقترب الشيخ من المقاوِم وقبَّل رأسه مُعرّفاً بنفسه:”الشيخ عيسى القاسم من البحرين. أنتم تاج الرؤوس!”.

وقف الشاب المقاوِم مذهولاً وخَجلِاً أمام تصرّف الشيخ، بعد أن احتشد الزوّار حولهما يتساءلون حول هوية الشخص الذي يُكنّ له المرجع الديني كل هذا الاحترام. كان الصديق الإيراني يقف إلى جانب الشيخ قاسم مبتسماً ومُعرّفاً بإسم المقاوِم الذي ارتبك أمام الموقف المُفاجئ.

باح يومها الشيخ قاسم بشكل عفوي بالكثير من العبارات التي تُظهِر مدى حبّه للبنان واللبنانيين وتقديره لدور لبنان في مواجهة إسرائيل، كما تعكس شدّة تواضعه وعلوّ أخلاقه.

لم يكن “الربيع العربي” قد حلّ في المنطقة العربية، حين كان البحرينيون يطالبون بالمُساواة بين أبناء الدولة. ولم يكن حزب الله قد وُجِد ولا الثورة الإسلامية في إيران قد اندلعت حين دخل الشيخ عيسى القاسم المُعترك السياسي.

تفيض خطابات رموز الحراك في البحرين بعبارات “الوحدة” والتحذير من الفتنة، بل إنّ البعض يأخذ على الشيخ قاسم تحديداً “مبالغته” في الخطاب الهادئ، بالرغم من كل السلبية التي تواجه فيها السلطات مطالب أغلبية الشعب.

يمكن لأي مُتابِع لتاريخ البحرين الحديث أن يلحظ السياق السلمي للحركة الاحتجاجية في مقابل رفض السلطات الحوار والالتفاف حوله ومواجهته بالعنف في محطات عديدة. ما يحصل في البحرين اليوم كان يحصل دوماً طوال العقود الأخيرة، لكن التغطية الإعلامية للحدث لم تكن بحجم ولا طبيعة ما يجري اليوم. كما إنّ المُحرِّك السياسي للشأن البحريني كان يقتصر على البُعد المحلّي في الظاهر قبل أن تقرّر السعودية إدخال جارتها الصغرى ضمن قائمة ساحات صراعها مع إيران. وهكذا تحوّلت المطالب التاريخية المُحِقّة لشعب البحرين إلى فزّاعة خليجية تستحضر مسائل المذهبية والقومية، مع أنّ من يُمسِك بالسلطة هو من يستخدم هذه الأدوات منذ عشرات السنين.

اليوم دخلت الأزمة البحرينية منعطفاً جديداً مع تدهور الحال الصحية للشيخ عيسى القاسم، بعد أن كان النظام قد تدرّج في محاولة استهدافه معنوياً منذ سبعينات القرن الماضي، حين تمّ حلّ المجلس الوطني عام 1971 منعاً للسماح بتشكّل معارضة فاعِلة من داخل النظام، لتتوالى أعمال القمع طوال عقود من الزمن وتبلغ ذروتها بسحب جنسية الشيخ في منتصف العام 2016.

قضى المرجع عيسى القاسم ما يُناهز الخمسين عاماً في النضال السياسي السلمي، من دون أن تُقابل مطالبه المدعومة شعبياً بأية إيجابية توفّر حقوقاً بديهية في المواطنة لمئات آلاف البحرينيين.

واليوم يخضع الشيخ للإقامة الجبرية، وصحته في خطر شديد، عِلماً أنه كان بمقدور الشيخ أن يهاجر إلى بلد آخر حين أُسقطت عنه الجنسية وأن يستقرّ بهدوء في الخارج (وهذا كان مسعى السلطات)، لكنه رفض أن يترك موطنه الأصلي وأبى إلاّ أن يواصل النضال مع شعبه، مُراهناً على نظرية ينادي بها منذ بداية نشاطه ومفادها أنّ “الدماء الحرام لا تتقادم ولا يُسقط طول الزمن كرامتها وحرمتها ولا يذهب بحق المطالبة بالقصاص ممن سفكها”. فهل تلتفت السلطات البحرينية لخطوة المُضيّ في الخيار السعودي العنفي الذي فشل في تحقيق أية أهداف في ساحاته الإقليمية الأخرى، أم يكون الشيخ عيسى القاسم عنوان انتفاضة كان له القرار دوماً في تأجيل اندلاعها رغبةً منه في سحب ذرائع الفِتَن من يد السلطة؟.