الوعي نيوز :

نحن إذ نتطرّق إلى ماهية وطبيعة هذا التطبيع الأكاديمي العلمي والبحثي بوصفة اعترافاً بإسرائيل, على الرغم من أن الدولة التونسية لا تعترف رسمياً وصراحة بعلاقات مباشرة وعلنية مع إسرائيل، لكنها لا تمنع بشكل واضح ومؤسّساتي التطبيع، فبعض الاجتهادات الفردية الخاصة التي يُقدِم عليها مسؤولون أو أفراد هنا وهناك في باب التصدّي الطوعي أو تحت ضغط المجتمع المدني والسياسي ، تدفع البلاء في الحد الأدنى.

جرائم إسرائيل في حق العُلماء والباحثين من اغتيالات وتصفيات متنوّعة، تثير ردود فعل في سياق رفض التطبيع وحملة المقاطعة الأكاديمية.
في مجمل النشريات العلمية التي توثّق التطبيع الأكاديمي بين الباحثين التونسيين والإسرائيليين، حوالى 176 نشرية علمية بخصوص البحث العلمي التقني وحسب. فضلاً عن ذلك توجد مجموعة كبيرة من دُعاة التطبيع في الجامعات التونسية في اختصاصات العلوم  الإنسانية، وعلى وجه التحديد في الحضارة العربية والبحوث الإسلامية والتاريخ والجغرافيا واللغات والفنون والقانون وعِلم الاجتماع والدراسات النسوية…إلخ، وغالبيتهم هم من الذين اشتهروا برحلاتهم إلى فلسطين المحتلة منذ أيام نظام بن علي ويواصلون حتى أيامنا هذه الدفاع عن التطبيع.

إن أهم مجالات النشر في البحوث العلمية هي البحوث الطبية وتحديداً عِلم الوراثة (22 بحثاً) والطب العام (19 بحثاً) والمناعة (12 بحثاً). هذا وظهرت أول نشريّتين علميّتين تجمعان فِرَق بحث تونسية وأخرى إسرائيلية سنة 1992. لم تسجل منشورات في السنوات اللاحقة، أي سنة 1993 و1994، بينما عاودت الظهور سنة 1995 أي بعد سنة من اتفاقية أوسلو التي عقدتها السلطة الفلسطينية مع كيان الاحتلال وبداية التطبيع الرسمي بين تونس والكيان بعد سنة  1995 حيث أمر الرئيس الأسبق بمقتضى مرسوم قانوني وزير الخارجية الحالي خميس الجهيناوي بإدارة مكتب تونس هناك في تل أبيب. ومن ثم استمر ظهور النشريات العلمية بشكل تصاعدي مع تسجيل لتضاعفها 3 مرات منذ  سنة 2010 حيث تم رصد صدور 31 نشرية علمية تجمع فرق بحث تونسية وأخرى صهيونية سنة 2016 (أي 5 سنوات بعد أحداث 2011). هذا وتوجد 9 نشريات فقط توثّق مجمل البحوث المشتركة بين التونسيين والفلسطينيين على مر السنين الفارطة (حتى بحسب الباحثين في الضفة الغربية وقطاع غزّة).
ونحن إذ نتطرّق إلى ماهية وطبيعة هذا التطبيع الأكاديمي العلمي والبحثي بوصفة اعترافاً بإسرائيل. على الرغم من  أن الدولة التونسية لا تعترف رسمياً وصراحة بعلاقات مباشرة وعلنية مع إسرائيل، لكنها لا تمنع بشكل واضح ومؤسّساتي التطبيع، فبعض الاجتهادات الفردية الخاصة التي يُقدِم عليها مسؤولون أو أفراد هنا وهناك في باب التصدّي الطوعي أو تحت ضغط المجتمع المدني والسياسي، تدفع البلاء في الحد الأدنى. وفي عديد المجالات يستحق منها القضاء التونسي مكانة خاصة لوقوفه عدّة مرات في وجه حالات تطبيع فاضحة تؤسّس رويداً رويداً لفقه قضاء مضاد لهذا التطبيع.
المدخل يتراوح على العموم بين الغطاء الأميركي وغطاء الاتحاد الأوروبي في المشاريع وفي المؤسّسات والتمويلات وفي التجنيد وسائر المُتعلّقات اللوجستية. نذكر على سبيل المثال مجال التجارب السريرية أو الإكلينيكية، حيث تقوم مجموعة من الأطباء التونسيين وبشكل مُكثّف ومتواتِر بمستشفى الأطفال الجامعي العمومي العريق في تونس العاصمة، مستشفى الرابطة، بالتعاون مع أطباء إسرائيليين على غرار جماعة الجامعة العبرية من المركز الطبي شار زيداك ومعهد القدس الطبي هداساه (share zedec Médical center. Hadassah
Médical school.)
بشأن مرض غوشير الذي يمسّ في الغالب يهود الأشكناز. قام هؤلاء بتطوير مُضادّات جسمية وتطوير تجارب لفائدة شركة بيوتكنولوجية لإنتاج الأدوية تهتم بالأمراض النادرة وبتغطية وتمويل منها. وهي شركة شابر ليغزنغتون- الولايات المتحدة. وتكرّر هذا التعاون في التجارب السريرية المتطوّرة بالعلاقة مع قسم طب الأطفال في تونس. وفي ما يلي بعض المنشورات الدالّة على ذلك:
توجد أيضاً عيّنات أخرى تخصّ قسم الأمراض الجلدية بأحد أكبر وأهم المستشفيات العمومية التونسية في العاصمة تونس، حيث تتم المشاركة مع صهاينة في أبحاث تعتني باكتشاف الطفرات الجينية بتقاسم المعلومات حول جينات التونسيين وغير التونسيين. تم ذلك مع المركز الطبي سوراسكي- تل أبيب.
ثم يأتي مستشفى الرازي بمنطقة منوبة في تونس العاصمة دائماً، وهو كمثل المثالين السابقين من أهم وأعرق المؤسسات الطبية والبحثية العمومية التونسية. ويتعلّق الأمر هذه المرة بقسم الطب النفسي وبشكل أدقّ بمرض ثنائية القطبية، حيث وقعت بحوث مشتركة مع صهاينة في خصوص كيفية الإحاطة بالمرضى حسب ظروف كل بلد وفي عدة بلدان. ومن المشاركين نذكر من الجامعات العبرية جامعة ساكلر للطب  التابعة لجامعة تل أبيب
ثم يأتي الأعرق أيضاً، وهو معهد باستور حيث تم القيام بتجارب لإنتاج وتطوير اللقاحات ضد اللشمنيا مع قسم الميكروبيولوجيا وعلم الوراثة في الجامعة العبرية- معهد هداساه الطبي- القدس، ضمن مشروع ليشدنافاكس (Leishdnavax) بتمويل من الاتحاد الأوروبي. وبالطبع، من نافل القول كون هؤلاء الباحثين يمضون عقوداً مسبقة مع صهاينة ويتعرّفون إليهم وينسّقون ويجتمعون ويتبادلون المراسلات الخاصة.

في السنوات السابقة، كان ثمة المثال الواضح الذي نتج منه فيلم سينمائي أخرجته التونسية إيمان بن حسين تحت عنوان “هل يصنع القتلة الدواء. يتعلق الأمر بتجارب طبية وقعت على أطفال تونسيين من جهة سيدي بوزيد قامت بها وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون (معهد والتريد التابع لها) بالشراكة مع معهد باستور. يعود الموضوع إلى سنة 1995، حيث يقول الدكتور شكري مقطوف في نص وثيقة توضيحية بناء على ما وجّهه إلى المحكمة الإدارية التونسية التي أيّدت توقيف تنفيذ هذا المشروع في 06 سبتمبر/ أيلول 2011 ، ثم قرارها بتاريخ 07 جوان/حزيران 2012، وأخيراً بتاريخ 14 جويلية/ تموز 2017 حيث اعتبرت لاغية بذلك هذه التجارب وما نتج منها وبالتالي الحصول على اعتراض وزارة الصحة عليها، يقول:”وافقت (المحكمة الإدارية) طلبي في القضية التي تخصّ تجربة دواء براموميسين وهو مسجل من حيث مكوّناته لفائدة إسرائيليين وقعت على غالبية لم تبلغ سن الرشد إذ قد وقع انتداب جلّهم من بين تلاميذ بمدارس من ولاية سيدي بوزيد ، وذلك حسب ما ورد في مقال علمي نشر سنة 1995. وكان ذلك على أساس أن هذا الاختبار العلاجي لم يستوف الشروط القانونية الوطنية والمواثيق الدولية والأخلاقيات الطبية مدعمة لما أكّدته لجنة التحقيق للتفقدية الطبية والإدارية صلب وزارة الصحة ، وما دعمه تقرير دائرة المحاسبات. وبالتالي سيقع تحديد المسؤولية ورد الاعتبار وضمان الحق الشخصي للتلاميذ وما يترتّب على ذلك من آثار كسحب المقال العلمي الذي يخصّ نتائج هذا الاختبار لإساءته لسمعة مؤسّساتنا التربوية والطب في تونس ، علاوة على عدم إعطائه الصورة الصحيحة التي تعكس تقدّم التشريعات في هذا الميدان ببلادنا.

المرهم المشار إليه هو  من تصنيع  شركة صهيونية مختصّة في صناعات الأدوية إسمها تيفا Teva وأما الهدف منه فهو معالجة الجنود الأميريكان من مرض اللشمنيا الذي أصيبوا به في أفغنستان ثم في العراق. وكل ما يتعلق بهذه القضية وتفاصيلها موثّق في قضايا تختص بها المحكمة الإدارية التونسية. هذا ويشار إلى زيارة رئيس مؤسّسة وايزمان الصهيونية (كل ذكر لكلمة صهيونية في المقال رديف لكلمة إسرائيلية إشارة إلى إسرائيل أو فلسطين المحتلة)،  بناء على دعوة وجّهت إليه من تونس لحضور ندوة علمية دولية ومن ثم الشروع في تجنيد فريق من الباحثين التونسيين لمباشرة مشاريع مطلوبة إسرائيلية.
وللعِلم، فإن معهد باستور هو مركز صحة عمومية ومركز دراسات وأبحاث طبية مقرّه العاصمة التونسية تونس. تولّى إدارته لأول مرة حفيد لوي باستور أدريان عند تأسيسه سنة 1893 ، ثم الطبيب الفرنسي شارل نيكول الحائز جائزة نوبل للطب سنة 1928 الذي أداره ما بين سنة 1903 وحتى وفاته سنة  1936، وخلفه على رأس المعهد أول تونسي وهو الوزير في حكومة الرئيس الحبيب بورقيبة، عمر الشاذلي ما بين سنة 1963 وسنة 1988  صلاح الداودي.