الوعي نيوز :

بدأ العام 2017 بأحداثٍ يبدو أنها ستكون بداية التحولات السياسية المتوقعة، حيث شكَّلت المساعي التقاربية بين مصر والعراق، موضع اهتمام الخبراء والمحليين. فالمسألة أكبر من تقارب دولتين، وهي تتخطى ذلك لكونها تؤثِّر بشكلٍ مباشر على التحالفات والتوازنات في الشرق الأوسط. فماذا في توجه مصر الجديد وأسبابه؟ وما هي دلالات ذلك؟

مصر والدول الخليجية: طريقٌ مسدود

خرجت الصحف المصرية خلال نهاية العام 2016، لتتحدث عن أن النظام المصري سعى مؤخراً إلى تغيير خريطة تحالفاته في المنطقة، متخذاً قراراً استراتيجياً بالإبتعاد سياسياً عن الدول الخليجية لا سيما في ظل الخلافات المتصاعدة بين القاهرة والرياض. ونشرت صحيفة “فيتو” المصرية يوم الجمعة المنصرم، تقريراً أشارت فيه إلى أن العلاقات بين مصر والدول الخليجية وصلت إلى طريق مسدود خصوصاً بعد البيان الصادر عن مجلس التعاون الخليجي منذ أسبوعين.

أسباب الخلافات: سخطٌ مصري من السياسات والتوجهات الخليجية

عدة أمور يمكن وضعها في خانة المُسببات للتوجه المصري. وهي على الشكل التالي:

أولاً: يعود السبب الرئيس للخلاف بين مصر والسعودية في محاولة السعودية فرض أجندة إقليمية رسمتها الرياض بعد غياب الدور المصري نتيجة تأزم الأوضاع السياسية والإقتصادية المصرية محلياً نتيجة ثورة كانون الثاني(يناير) 2011. وهو ما برز في أكثر من محطة بين البلدين.

ثانياً: تضامن الدول الخليجية الدائم مع السعودية والتقائها مع السياسات الهادفة لعزل مصر عربياً. وهو ما برز من خلال دعم الدول الخليجية للمساعي القطرية بمواجهة الإتهامات المصرية لها بالضلوع في تفجير الكنيسة البطرسية بالقاهرة، وما تبع ذلك من محاولات إبتزاز خليجية لمصر، بعد زيارة مسؤولين سعوديين وقطريين لإثيوبيا والتقاطهم صورا تذكارية بجوار سد النهضة في رسالة واضحة للنظام المصري.

ثالثاً: تحكُّم محمد بن سلمان بمقاليد الحكم في السعودية، بشكل يتعارض مع احترام العلاقات بين السعودية وأي دولة أخرى. فيما باتت شخصيته البعيدة عن الخبرة، مُستَفزة للمسؤولين الكبار في الدول الأخرى ومنها مصر، خصوصاً بعد أن رفض جهود المصالحة مع مصر والتي قادتها الإمارات والكويت وقدم شروط عنجهية إلى أطراف الوساطة، وحرَّض وسائل إعلام سعودية لمهاجمة مصر. الأمر الذي دفع المصريين لإعادة الحسابات في تحالفاتهم الإقليمية بعد سياسة بن سلمان الصدامية.

الرد المصري: نحو دورٍ إقليمي فاعل؟!

لم يكن كلام المسؤوليين المصريين عن وجود مساعي عملية لمواجهة السعودية كلاماً عابراً. بل إن آثار ذلك ستكون كبيرة على الصعيد الإقليمي وتحديداً العربي. وهنا أهم ما يمكن التقاطه من تسريبات إعلامية وتصريحات علنية تدل على ذلك:

– تُدير مصر مساعٍ كبيرة وجدية لإحياء التحالف التاريخي بين القاهرة وبغداد، وذلك عبر توقيع العديد من الشراكات. وهو ما عبَّرت عنه زيارة  وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري الذي زار القاهرة مؤخراً والتقى رئيس الوزراء المصري شريف إسماعيل، وبحثا التعاون التجاري والإقتصادي بين البلدين، معلنا أن العراق مستعد لتطوير العلاقات الإستراتيجية مع مصر على كل المستويات، ومقتنع بإمكانية إجراء وساطة بين مصر وايران لتقريب وجهات النظر بين البلدين.

– دعوة مصر العراق منذ يومين، لتفعيل الإتفاق العراقي المصري حول تصدير النفط الخام العراقي لتكريره في المصافي المصرية. الأمر الذي يأتي إستمراراً لمجريات تنفيذ الإتفاق الذي وُقِّع في آذار من العام الماضي. وهو ما يصب في مصلحة البلدين، لأنه سيسد احتياجات الجانب العراقي من المشتقات النفطية، إضافة إلى توفير الخام الذي ترغب القاهرة في شرائه. خصوصاً بعد قطع السعودية النفط عن الشعب المصري.

– يوجد مساعي جدية تقودها القاهرة لبناء مشروع مشترك، لإستثمار الوضع الإقليمي الجديد، عبر صياغة تحالف مع عواصم دول عربية ابتعدت عن العباءة الخليجية مؤخراً، من بينها الجزائر وبيروت وتونس، وذلك بهدف التوصل إلى حلول سياسية للعديد من ملفات المنطقة وتحديداً سوريا واليمن وليبيا.

التوجه المصري الجديد: تحليل ودلالات

عدة دلالات يمكن الوقوف عندها وتحليلها فيما يلي:

أولاً: إن سلوك الطرف السعودي وتعاطيه مع دول المنطقة بمنطق السيد والعبد، هو الذي أوصل العديد من الأطراف الى قرار الخروج من تحت العباءة الخليجية. كما أن عنجهية الطرف السعودي، جعلته يتغاضى عن الرسالة الواضحة التي وجهتها القيادة المصرية. فعندما حدثت أزمة النفط مع السعودية أعلن النظام المصري استيراد النفط من العراق. وهو الأمر الذي لم يلقَ أي تغيير في الموقف السعودي تجاه مصر.

ثانياً: إن حصول التقارب بين مصر والعراق، والذي يبدو أنه مُقدمة لتحالف إقليمي، يُعتبر خطوة عظيمة ومباركة من قِبل الجانبين، لجهة زيادته لأُطر التقارب والتواصل العربي لا سيما بين دول يمكن أن تتمتع بدور كبير كمصر والعراق.

ثالثاً: إن التقارب المصري العراقي، سيُعيد خلط الأوراق والتحالفات في المنطقة. حيث أن خريطة التوازنات الحالية ستتغيَّر. ولن تعود السعودية ومعها الدول الخليجية، عرَّابة السياسات في المنطقة. بل إن هذا التقارب سيجعل السعودية في عزلة وبعيدة عن التأثير في القرار العربي.

رابعاً: يدل التوجه العراقي، لإحياء العلاقات بين مصر وإيران – ما تسعى له مصر أيضاً – على حجم الإيمان العربي بالدور الإيراني لا سيما بعد نجاح طهران في إدارة شؤون المنطقة والإقليم دون التدخل في شؤون أي دولة أو تخطيها لرغبة أي من شعوب المنطقة.

خامساً: لا شك أن التحركات الثنائية المصرية العراقية هي نتيجة لضعف السياسة الأمريكية، وتعاظم الدور الروسي ودور محور المقاومة. حيث أن لهذا الأمر السبب الرئيس في تشكيل أرضية سياسية للدول الراغبة في الخروج من العباءة الخليجية. وهو ما جعل تضحيات العراق تتلاقي مع آمال الشعب المصري اليوم.

إذن، يتحضَّر الشرق الأوسط لزمنٍ بعيد عن أمريكا وأذنابها. زمنٌ بدأت فيه مطالب الشعوب تعلو فوق مطالب الأنظمة. فالعلاقة التاريخية بين الشعبين المصري والعراقي، هي التي عادت لتلوح في الأفق من جديد. وهي التي ستكون بداية التحول العربي، نحو مستقبلٍ يحتضن خيارات الشعوب العربية والإسلامية.