الوعي نيوز :

لماذا يتخيّل صحافيون وسياسيون كثيرون في الخليج أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يملك الدوافع التي لم يمتلكها سلفه باراك أوباما، لخوض معركتهم الوجودية بدلاً عنهم ضد إيران؟  من بين نقطتَي انطلاق الرئيسين، يمكن رؤية أن أوباما، صانع التقارب مع إيران، كان قد بدأ في نقطةٍ أقرب كثيراً إلى العرب والمسلمين من ترامب، وعبّر في خطاباته التاريخية في تركيا والقاهرة عن شخصيتهِ، بوصفهِ رئيساً متعولماً، وعن نزعته المنفتحة ثقافياً، هذا الرئيس الساحر هو من انتهى، خلال سنوات رئاسته الثماني، إلى تكوين عقيدته السياسية التي يرى فيها الشرق الأوسط منطقةً فقدت أهميتها، وغرقت في مشكلاتٍ معقدةٍ لا أمل في حلّها، ولا يتوجب على الولايات المتحدة أن تدفع ثمن حلها من أرواح جنودها، ولا أن تسمح لدول الخليج أن تلعب دور “الراكب المجاني”، وجسّدت سياستهُ في سورية رؤيته حول واجب الرئيس الأميركي في التجنّب التامّ للمخاطرة بأروح الجنود الأميركيين، إلا في مواجهة خطرٍ مباشرٍ يهدد الولايات المتحدة، لم ينتهِ أوباما رئيساً انعزالياً، فقد بقي مهتماً للغاية بآسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، لكنه توصل إلى قناعةٍ حول ضعف مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

تبدو النقطة التي يبدأ منها ترامب أكثر انعزالية بكثير من النقطة التي انتهى فيها أوباما. تسيطر على ترامب القناعة بعدم حاجة أميركا إلى العالم، وقد جاء إلى الرئاسة عبر خطابٍ انتخابي، يتلخص في “أميركا أولاً” على كلّ الأصعدة، وترامب يبدأ سلفاً في موضوع الشرق الأوسط من نقطةٍ على يمين أوباما، إذ يعتقد أن الشرق الأوسط يجب أن يُترك وشأنه خمسة عشر عاماً على الأقل (كما صرّح في إبريل/ نيسان 2016)، ولديهِ (وطاقمه السياسي وقاعدته الجماهيرية) موقفٌ جذريّ من الإسلام عموماً، وليس الإسلام المتشدد فقط.

وخطابهُ يخلو من التزاماتٍ واضحة بأيّ حلفاء، واتجاهه نحو مراجعة الاتفاقية النووية مع إيران يأتي ضمن الرؤية السياسية الأميركية للسيطرة على السلاح النووي على مستوى العالم، لا ضمن السياق العربي المتطلّع إلى لجم النفوذ الإيراني في الإقليم. وتقع جميع هذه التوجهات تحت المظلة الشخصية للرئيس الشعبويّ غير المتوقع، والذي لا يمكن الرهان على قراراته ولا توجهاته، خصوصاً في ظلّ شعبيته المنخفضة بشكلٍ حادّ (يبلغ مؤيدوه في هذه الفترة 35% من الأميركيين فقط حسب آخر الاستطلاعات).

رغم ذلك، يتدفّق منذ انتخابهِ خطابٌ صحافيّ خليجي يرغب (وإن لم يُصرّح) في إلباس ترامب بزّة جورج بوش الأب، واستعادة لحظة حرب الخليج عام 1990، والحُلم بعالمٍ تطرد فيه أميركا إيران من سورية والعراق ولبنان، وإعادة التوازن الخليجي الذي فُقد منذ احتلال العراق.

بالنسبة إلى أوباما، قد تكون الاتفاقية مع إيران تركتهُ الأهم في السياسة الخارجية، لكن الميراث الأهمّ الذي تركهُ أوباما للخليج هي الخلاصة السياسية التي يُقاوم الاعتراف بها هؤلاء الصحافيون والسياسيون الخليجيون، وهم التيار الأعرض إعلامياً والأعلى صوتاً، الخلاصة التي تكشف بشكلٍ عمليّ غير مسبوق، لمَ لا يمكن للخليج أن يستمرّ في الاعتماد على حماية خارجية أو راعٍ أميركيّ.

كانت العلاقة المستقرة عقودا مع الولايات المتحدة كافية لطمس أيّ احتمالاتٍ حول فقدان هذه الرعاية، ومصدراً لتأسيس الوهم حول أنها علاقة وجودية، لكن اتّضح أنها وجودية من طرفٍ واحد، هو الطرف الخليجي الذي لم يكن يتصوّر قبل أوباما أنه قد يتحول حليفاً ثانوياً، وأن أمنهُ لن يكون أولويةً لأحدٍ سواه.

خلال الأعوام الماضية، انكشف تآكل النظام الدولي أخلاقياً، وافتقاره إلى أدنى حدّ من الاهتمام بالتحرّك من أجل وقف الكوارث والحروب في الشرق الأوسط، وانكشف تآكل مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، وانعدام رغبتها في التضحية بجنودها، أو التورّط في حربٍ جديدة، وأصبح واضحاً أن ترامب لن يعثر في المنطقة على مصالح جوهرية لم يجدها أوباما قبله.

لكن ذاك التيار الخليجي لا يزال متمسكاً بالأمل في أن ترامب سيشنّ حرباً أو يضرب حصاراً بالوكالة على إيران، ويُعيد إليهم نشوة حرب الخليج (أو نشوة احتلال العراق بالنسبة لبعضهم)، لأن الخيار الآخر هو الاعتراف بأن منظومة دول الخليج، باعتبارها دولاً ذات سيادة، لم تقم بواجبها، طوال عقودٍ مضت، في بناء قدرتها على حماية ذاتها، والاعتراف بأن بناء مثل هذه الحماية الذاتية يستلزم تغيراً جذرياً في السياستين، الخارجية والداخلية، وإصلاحاتٍ سياسية واجتماعية، وأن ما يجري الآن داخل هذه الدول لا علاقة له بشيءٍ من هذا.

يرفض هذا التيار استيعاب الخلاصة التي تركها أوباما للخليج. وعليه، يستمرون في التّطلع إلى راعٍ في شخص ترامب، وأقصى ما يرجونه أن تقود المصادفة إلى تقاطع مصالح، يحقق لهم مكسباً صغيراً عابراً.