الوعي نيوز ـ السعودية
الوعي نيوز ـ السعودية

الوعي نيوز :

مالك ضاهر ..

متنوعة جاءت القرارات التي أصدرها الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، حيث شملت أمورا حياتية ومالية تتعلق برواتب الموظفين والعسكريين، كما تطرقت إلى قضايا أمنية وسياسية ووصولا لتقديم مواعيد الاختبارات لتكون قبل شهر رمضان المبارك مراعاة لظروف الطلاب والطالبات.

إلا أن هذه القرارات التي نزلت بشكل مفاجئ على أسماع السعوديين أظهرت أن هناك من يعمل في الليل والنهار ويخطط وينفذ ما يراه مناسبا وخيرا للوطن والمواطن، فهناك من يهتم بأدق وأبسط التفاصيل الحياتية للإنسان السعودي حيث يدرك أن تقديم الاختبار أثناء الصوم يمثل مشقة على الطلاب يجب إزالتها، ولكن ماذا عن جملة القرارات الملكية الأخرى التي صدرت ومنها ما يتعلق: بإعادة جميع المزايا المالية التي اقتطعت في إطار إجراءات تقشف إلى موظفي الدولة من مدنيين وعسكريين وصرف راتب شهرين لكافة المشاركين في الصفوف الأمامية بـ”عاصفة الحزم”.

 

المكافآت بين المصالح العامة والمصالح الخاصة..

هل هذه الأمور تدخل في سياق التفكير في راحة الناس أم أن لها خلفيات أبعد من ذلك؟ وهل عندما تعطي الدولة مزايا للموظفين تكون لها دوافع وغايات سياسية أو غير سياسية؟ وهل عندما تقرر الدولة منح جنودها الذين ترسلهم إلى الجبهات راتب شهرين إضافيين يكون ذلك بسبب التذمر ورفض القتال والامتناع عن تنفيذ الأوامر العسكرية؟ لماذا لا تكون هذه القرارات تمثل مكافأة للجنود الذي يرغبون بالتضحية بأنفسهم فداء للوطن وفي سبيل الدفاع عن المصالح العامة والخاصة هناك وإن كان على حساب القتال ضد الأشقاء والجيران؟

الحقيقة أن صرف راتب شهريين إضافيين للجنود الذين يشاركون في الحرب على اليمن والذي تتكرر لمرتين خلال ستة أشهر، إنما هو أمر يدعو لشيء من الريبة ويثير التساؤلات المحقة، ولا داعي للتشكيك بمن يتساءل ويشكك في خلفيات هذه القرارات، لأن الحرب على اليمن مستمرة منذ أكثر من عامين فلماذا اليوم تذكرت القيادة صرف هذه المكافآت على الجنود؟ ولماذا لم تقدم لهم المكافآت منذ الشهر الأول أو السنة الأولى؟ مع العلم أن أفضل مكافأة يمكن أن تقدم لهم وللوطن وللعرب والمسلمين هو أن يتم إنهاء هذه الحرب العبثية وإعادة الرجال إلى بيوتهم وعائلاتهم وأطفالهم سالمين مسالمين.

أما بخصوص قرار إعادة المكافآت والبدلات لموظفي الدولة التي جرى وقفها في إطار سياسة التقشف، يكفي التساؤل البسيط هل انتهت حالة التقشف اليوم؟ وهل عادت المملكة إلى أيام “الزمن الجميل” والبحبوحة الاقتصادية؟ هل انتهى العجز في ميزاننا التجاري وأصبحنا نسجل أرباحا كبيرا في الموازنة العامة للدولة؟ هل انتفت الأسباب التي أدت إلى حرمان الموظفين من هذه المكافآت سابقا؟ بالتأكيد أن إعادة هذه المزايا لمن حرموا منها ستجعل الجميع يطرح التساؤل التالي: إما أنه ما كان يجب حرمان أصحابها منها سابقا وأما أن هناك دوافع معينة سياسية بالدرجة الأولى جعلت السلطة تعيدها لهم؟

 

قرارات حساسة.. وتوجس من الخلفيات

من جهة ثانية، شملت القرارات الملكية مسائل أكثر حساسية مما سبق ذكره أعلاه، منها ما يتعلق بتشكيل “مجلس أمن وطني” يرتبط بالديوان الملكي مباشرة ومنها يرتبط بسلسلة طويلة من التعيينات أثار بعضها حساسية معينة على أكثر من صعيد.

أما بخصوص “مجلس الأمن” تبدو الأمور حتى الساعة غير واضحة لا بخصوص المهام التي ستوكل إليه ولا بخصوص طبيعته وصلاحياته، فما هو الدور الذي سيناط به وأي صلاحيات سيمنح وما الهدف من تشكيله؟ هل سيكون رديفا للأجهزة الأمنية القائمة في البلد أم سيكون منافسا لها؟ هل الهدف منه كما أشيع في الأعلام استهداف أو التضييق على وزير الداخلية ولي العهد محمد بن نايف؟ أم أن الأمر أكثر بساطة من كل ذلك ولا يحتاج إلى كل هذه التأويلات وأن المجلس له دوره الخاص أو الفعال في الحياة الأمنية وليس له أية استهدافات لأشخاص أو مؤسسات أو أجهزة؟

وأن كان في الواقع من غير المعروف كيف سيكون شكل وهيكلية هذا المجلس إلا أن التحليلات بدأت تتكهن أنه سيكون تحت إمرة الملك ونجله ولي ولي العهد محمد بن سلمان الذي قد يُعين على رأس هذا المجلس أو في مركز قيادي فيه، ما يشكل بطريقة أو بأخرى استهدافا أو تجاوزا لولي العهد محمد بن نايف المختص بالشؤون الأمنية بحسب منصبه كوزير للداخلية، وبالتالي يجب الانتظار كي لا نحكم بشكل متسرع على هذا المجلس وعمله بل يجب معرفة من سيكون القابض على قراره وعمله قبل إطلاق الأحكام المسبقة، ولكن ماذا لو كان محمد بن سلمان أو أحد مستشاريه هو القيّم على هذا المجلس؟ هل وقتها يمكننا إطلاق التهم بضمير مرتاح؟

 

فريق متجانس.. ولكن؟!

ومن الأمور التي أثارت الكثير من التساؤلات تعيين الملك لولده خالد سفيرا للمملكة في واشنطن، وتعيين ابنه الآخر عبد العزيز وزيرا للطاقة، وتعيين اللواء أحمد عسيري نائبا لرئيس المخابرات بالإضافة إلى تسريح بعض الأشخاص من مناصبهم نظرا لما يشاع عن علاقاتهم المتوترة أو الفاترة مع ولي ولي العهد كما حصل مع السفير الأسبق في الولايات المتحدة عبد الله بن فيصل بن تركي، وإن صحت هذه المعلومات فإلى ماذا تشير؟ هل الملك أو نجله ولي ولي العهد يهدفان إلى إزاحة كل من لا يتوافق مع آرائهما الفردية في إدارة دفة الحكم؟ هل هناك رغبة بمسك كل مفاصل الحكم في إطار ضيق وخاص تنفيذا لسياسات معينة؟ هل الأمور الأساسية في جدول السلطة لا يأتمن عليها إلا أولاد الملك مباشرة دون وسطاء أو وكلاء؟ وهل مصلحة البلاد تتطلب مثل هذه الخطوات؟ ولكن بالمقابل أليس من حق الملك وفريقه الخاص أن يكون بينهم انسجاما تاما كي يتم تنفيذ الخطط والسياسات العامة بأفضل صورة دون عوائق ومطبات؟

الحقيقة أن هناك من يلمح أن القبض على الحكم في المملكة من قبل أبناء الملك الحالي بات من البديهيات، فالمسائل الأمنية والعسكرية محصورة برجل واحد ناهيك أن هذا الأخير لديه مشاريعه الاقتصادية وخططه طويلة الأمد التي تحتاج إلى شخصيات موثوقة ويعتمد عليها لتنفيذها بحسب ما أعدت له، لذلك تم اختيار السفير الجديد للمملكة في واشنطن حتى تكون العلاقة غاية في السرية بالإضافة إلى تعيين نجل الملك الآخر وزيرا للطاقة بما يعني مسك الثروة الأساسية للدولة السعودية، وبذلك تكتمل كل زوايا المشهد في الداخل والخارج، الأمن والسياسية والعسكر ومعهم الثروة محصنين بعلاقة مميزة مع البيت الأبيض، وقد تم تأكيد هذه العلاقة وتدعيم أسسها خلال زيارة ولي ولي العهد إلى واشنطن مؤخرا ولقائه مع المسؤولين الأمريكيين وفي مقدمتهم الرئيس دونالد ترامب.