الدور الامريكي في الخليج

الوعي نيوز:

اذا دققنا النظر ولو قليلاً في السياسات التي انتهجتها أمريكا خلال العقود الثلاث الماضية أو ربما اكثر بقليل في منطقة الشرق الاوسط والخليج بالتحديد سوف نلاحظ بأنها استطاعت أن تؤسس لنفسها قاعدة تستطيع من خلالها أن تمد نفوذها وسيطرتها على شرايين الاقتصاد والسياسة والحرب من أجل تنفيذ خطتها في السيطرة على العالم أجمع (سياسة القطب الاوحد) فقد شاركت في العديد من الانقلابات والثورات وتغيير الوجوه ما خلا بعض المناطق التي أفلتت من بين براثنها.

ومن خلال هذه السياسة الخبيثة في المنطقة كان هدفها كما اشرنا أن تبسط منطقة نفوذها وكذلك أن تؤمن المنطقة لطفلها المدلل “اسرائيل” وأن تحيطها بجدار أمني يحفظها من محور المقاومة الذي كان قد بدأ يشكل تهديداً لها خصوصاً بعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران ورفع شعار تحرير القدس ودعم ايران لمحور المقاومة الذي كان ضمن أهم اولويات قيام الثورة الاسلامية وأهدافها في نصرة مستضعفي العالم واستعادة قبلة المسلمين الاولى من تحت سلطة الكيان الاسرائيلي الغاصب.

كان انتصار الثورة الاسلامية في ايران بقيادة سماحة آية الله العظمى السيد روح الله الموسوي الخميني(ره) مع تلك الشعارات الهادفة والثورية وتلك القيادة الحكيمة وتلك الروح التي لا تقبل التفاوض ولا التماهي مع الاستكبار والاستعمار ولا تمد يد المهادنة مع الغاصبين ولا يمكن شراء ذمتها كما هو الحال مع العديد من الثورات والقادة والرؤساء والحكام والدول، الصخرة التي تعثرت بها السياسات الامريكية، فلم تكن هذه الثورة كسابقاتها من الثورات ولا هذه الدولة الفتية كغيرها من الدول والحكومات ولم تكن قيادة هذه الثورة قيادة تطلب الدنيا أو الحكم أو تحاول الاستئثار بالاموال والثروات التي تكمن في هذا البلد، لذلك كان من المهم والمحتم على امريكا أن تحاول عرقلة سير هذه الثورة والقضاء على هذه الدولة الفتية في اسرع وقت ممكن.

جندت امريكا جميع ما تملكه من العهر والفكر الخبيث واستعملت جميع عملائها في المنطقة وحركت بيادقها في الخليج واستعانت بكلابها المدربة فلم تجد أكثر سُعراً ولا اكبر تهوراً من “صدام” المقبور ليكون وسيلتها وأداتها لايقاف عجلة التطور والتكامل لهذه الدولة الفتية التي استطاعت القضاء على أكبر امبراطورية في المنطقة وأقدمها “الامبراطورية الشاهنشاهية” التي امتدت لأكثر من ألفين وخمسمئة عام (بحسب قول الشاهنشاهيين أنفسهم) كان أغلبها قائم على الاستعباد والتحكم بمصائر العباد وكان آخرها العمالة، لتحكم بدلها المبادئ الاسلامية الحقيقية التحرر من العمالة والعبودية للأجنبي وتحكيم الديمقراطية الانتخابات الحرة بدل الملوكية.

قام “صدام” الأرعن بشن الحرب على الحدود الايرانية بدعوى استرجاع ارض الاهواز لانهم عرب!! والتي يسكنها غالبية عربية ايرانيو الأصل والمولد وقامت امريكا بدعم الماكنة الحربية البعثية بشتى انواع الاسلحة والمعدات والامكانيات العسكرية واللوجستية والاستخبارية مدعومة بالاموال الخليجية التي كانت تأخذها من عملائها في الخليج الفارسي الخونة الذين باعوا انفسهم وضمائرهم لأمريكا.

استطاعت ايران أن تواجه هذا العهر الامريكي المتمثل بالحرب بالوكالة عنها على يد البعث المجرم لمدة ثمان سنوات كانت هي الأصعب والاثقل عليها وهي لا تملك من السلاح والتقنية العسكرية ما يمكنها لمواجهة ذلك الكم الهائل من السلاح والتطور العسكري الذي كانت امريكا وحلفائها تقدمه لصدام في حربه ولكنها كانت تمتلك سلاحاً لم يكن في الجانب الآخر وهو الايمان والعقيدة بأن هذه الحرب حرب مصير وحرب وجود وحرب تقرير مستقبل شعب بأكمله، لذلك كانت المشاركة في هذه الحرب مشاركة شعبية وتطوع ذاتي وجرى ما جرى خلال ثمان سنوات خرجت منها ايران منتصرة قوية مكتسبة تجربة مكنتها من أن تمرغ انف امريكا وعملائها وكل من يقف بوجهها بالتراب بل بالوحل، واستطاعت بعد سنوات الحرب والحصار والمقاطعة الاقتصادية والسياسية أن تفرض لنفسها كياناً مستقلاً واكتفاءاً ذاتياً جعلها دولة عظمى في المنطقة تواجه دول العالم وتجلس معها على طاولة الحوار بل تجلس طرفاً في مواجهة أطراف متعددة تجبرهم على قبولها كند قوي لهم تفرض شروطها ويسمعون لها ويطيعون ما تمليه عليهم.

هذا الامر وهذا التطور وهذه القدرة لم يرُق لامريكا ولم يكن مناسباً لاطماعها ولسياساتها التي خططت لها لمستقبل المنطقة والعالم فقد استطاعت ايران أن تعري امريكا وتخزيها وتكشف عورتها أمام جميع دول العالم فأصبحت الولايات المتحدة الامريكية التي كانت قطباً اوحداً يخافها ويهابها الجميع موضع استهزاء العديد من الدول ولم يعد الفيتو الامريكي يملك القوة السابقة ولم تعد القرارات الامريكية لها اهمية تذكر بل اصبحت العديد من دول العالم تقف بوجه امريكا بكل جرأة وترفض سياساتها واملائاتها ولم يبق ذليلاً لها سوى غربان الخليج والحكام العرب الاذلاء الخانعين.

بسبب هذا الذل والخزي الذي أصاب النظام والسياسات الامريكية وانتقاماً لكرامتها التي لا تمتلكها أصلاً قامت امريكا بافتعال الحروب والفتن في المنطقة بمساعدة اسرائيل واستولدت تنظيم القاعدة وطالبان ومن ثم داعش من رحمها المشبوه واستولدت العديد من التيارات التكفيرية والارهابية وغيرهم لاشغال المنطقة وحرقها واهدار ثرواتها المادية والمعنوية والبشرية والعلمية وتدمير الحضارات العريقة والممتدة في عمق التاريخ علّها تستطيع أن تسيطر على المنطقة بهذه الوسيلة وهذا الاسلوب الذي نجح لفترة معينة واستطاعت امريكا أن تدمر المنطقة وتحرقها وتبث فيها الفتن بمساعدة جرذانها من حكام السعودية وبعض الدول العربية والخليجية وعملائها من حكام المال والسلطة، ولكن مرة اخرى اصطدم رأس أمريكا بحجر المقاومة ومحور الثبات والعقيدة في لبنان والعراق وسوريا وايران وفلسطين وهذه المرة تلقت امريكا الضربات الموجعة في الصميم فقد تم القضاء على وليدتها داعش والسيطرة على مناطق النفوذ الامريكي في المنطقة وتنبهت أغلب الشعوب والمجتمعات إلى الخطر الامريكي وأنها سبب جميع الفتن والبلايا التي تحيق بالمنطقة والعالم، وانتقلت بوصلة الكفاح والصراع نحو تحرير فلسطين مرة اخرى وعادت القضية الفلسطينية للواجهة من جديد وكل ذلك من خلال الحمق الامريكي والغباء الذي طغى على السياسة الامريكية وانكشاف عمالة الحكام العرب فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وكذلك الكفاح والنضال للشعب الفلسطيني وحركات المقاومة.

اليوم نحن نشاهد وبوضوح فشل السياسات الامريكية في المنطقة بدءاً من حربها في منطقة الشام (لبنان وسوريا) ومروراً بالعراق وانتهاءاً باليمن فكل هذه المناطق التي كانت تراهن عليها امريكا واسرائيل في السيطرة عليها خرجت من تحت براثنها واليوم المقاومة الاسلامية ومحور المقاومة هو الذي يعين مصير المنطقة ونوعية التعامل مع امريكا وعملائها وشعوب المنطقة هي التي باتت تقرر مصيرها حتى ولو كان على رأس الحكم عملاء تابعون لامريكا ولكن لن يطول الزمن بهم حتى تهتز عروشهم لان بقائهم يخالف السنن الالهية والتاريخية وقدرة الشعوب على تغيير مصيرها.

 

الكاتب والمحلل العراقي ـ علي اللبّان