الوعي نيوز :

نعم لا سلطة من غير سلطة.. ولا احتلال بدون تكلفة، ولا أوسلو بلا سلام، ولا سلام من غير حقوق، ولا حقوق من غير سيادة، ولا سيادة من دون الدولة، ولا دولة في غياب القدس الشرقية المحتلة عام 1967 وليس القدس المشتركة، ولا قدس من غير بلدتها العتيقة، ولا بلدة عتيقة من غير مساجدها وكنائسها وحواريها وأسوارها، ولا مفاوضات عبثية بلا جدول زمني، ولا وصاية أمريكية على عملية التسوية من دون التزام بالدولة الفلسطينية.

ولا فائدة من مواقف لفظية غير مقرونة بالفعل، وهذا ينطبق على مواقف الاتحاد الاوروبي، وكذلك الانظمة العربية التي لم تزد عن بيانات إدانة فارغة المضمون والمعنى والوزن، لاسيما دولا مثل مصر والسعودية اللتين تظهران خلاف ما تخفيانه، وقد كشفت «نيويورك تايمز» فضيحة النظام المصري، الذي أملا جهاز مخابراته على زبانيته في وسائل الاعلام المرئية، الترويج لقرارات ترامب بشأن القدس عاصمة لإسرائيل، وكذلك الترويج لرام الله عاصمة لدولة فلسطينية ناقصة السيادة، وتأكد ذلك حسب تقارير صحافية، خلال اجتماع المجلس المصغر لوزراء خارجية العرب في عمان يوم6 يناير، الذي حاول خلاله وزيرا مصر سامح شكري والسعودي عادل الجبير، الضغط من أجل تخفيف حدة الموقف الفلسطيني أو تغييره، خاصة في ما يتعلق برفض التعامل مع الإدارة الامريكية وكذلك رعايتها لعملية السلام.

وحسبما أوردت وسائل إعلامية عربية، فإن ما جرى في اجتماع المجلس الوزاري يكشف عن ضغوط عربية، تحديدا من مصر والسعودية، لمحاصرة الرغبة الفلسطينية في تصعيد الإجراءات والمواجهة ضد قرارات ترامب.

وبينما كان الوزراء يتناوبون في إصدار تصريحات للصحافيين، تؤكد التمسك بالقدس ورفض الاعتراف بالقرار الأمريكي، كانوا داخل الاجتماع يجهضون جميع المقترحات التي تقدم به ممثل فلسطين لمواجهة قرار ترامب، بما في ذلك تطبيق قرار القمة العربية في عمان في عام 1980، لجهة مقاطعة الدول التي تنقل سفاراتها إلى القدس. فضلا عن رفض التمسك بواشنطن راعية للسلام. الأمر الذي دفع الوزير الفلسطيني إلى مقاطعة المؤتمر الصحافي.

يجب أن يكون الفلسطينيون على يقين ألا تسوية من دونهم، وعلى القيادة اتخاذ القرارات الصحيحة القابلة للتنفيذ في اجتماعات المجلس المركزي لمنظمة التحرير بعد غد، والالتزام بتنفيذها حتى تستعيد جزءا من مصداقيتها التي فقدتها. وأكرر لا تسوية سياسية من غير الشعب الفلسطيني، وحكام أمريكا وإسرائيل ودول «شقيقة» يعرفون ذلك خير معرفة.. ولو كان بمقدورهم تحقيق ذلك من دون هذا الشعب، لما ترددوا للحظة واحدة ولنفذوا خططهم التآمرية وفرضوا الحل الذي يرونه مناسبا وملائما خدمة لمصالحهم، وعلى وجه الخصوص مصالح إسرائيل «الاخت» التي لم تلدها امهاتهم، ولما شغلوا انفسهم في محاولات ضغط على القيادة الفلسطينية، وتهديدات خفية بخلق قيادات بديلة وقطع المساعدات عن السلطة وإغراءات بمليارات الدولارات.

الشعب الفلسطيني كان وسيبقى، المحور الأساس في منطقة الشرق الاوسط، ومن دونه لن يكون هناك اي حل. هذا هو الواقع وهذه هي القناعة السائدة عند هؤلاء، رغم انهم لا يريدون الاعتراف بها علانية. حقيقة اخرى وهي أن ايا من هذه الانظمة «الشقيقة» لم يتجرأ على الخروج عن الموقف الفلسطيني المعلن، دولة فلسطينية ضمن حدود1967 تكون القدس الشرقية عاصمتها، حتى لا تميط اللثام كاملا عن واقعها التآمري امام شعوبها، باستثاء قلة قلية ضالة طبعا، هذه الشعوب التي لا تزال ترى في القضية الفلسطينية قضيتها المركزية ولها قدسيتها.

وفي آخر اللاءات نقول لا لتهديدات ترامب الفارغة، ولا خوف من امريكا ذاك النمر الورقي، ولا حاجة لمساعداتها الإذلالية المشروطة. ولا خوف من اسرائيل ولا من قراراتها وقوانينها، التي تعمل ضد تحقيق تسوية سياسية، وهي تعرف جيدا انها بحاجة اليها أكثر من حاجة الفلسطينيين اليها. فانهيار السلطة الفلسطينية يعني عودة الامور إلى ما كانت اليه قبل اتفاق اوسلو، يعني عودة الاحتلال ومسؤولياته وتبعاته واعبائه ونفقاته الاقتصادية والمالية والادارية والامنية والسياسية الخ. وهذا ليس قولي انما ما يقوله شاهد من أهله الصحافي هاغاي مطر، الذي يقول تحت عنوان «فليؤجل نتنياهو احتفالاته وفتح زجاجات الشمبانيا»: تحتفل حكومة نتنياهو باعلان ترامب الاخير بالاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل، وتهديداته اللاحقة بوقف المساعدات المالية، كاحد انتصارات اسرائيل، لكن على هذه الحكومة أن تؤجل فتح زجاجات الشمبانيا.

وللتذكير فقط يقول الكاتب إن إدارة ترامب هددت بوقف مساعدات بملايين الدولارات للفلسطينيين، بتهمة رفض التفاوض حول اتفاق سلام مع إسرائيل. وأعلنت نيكي هيلي المندوبة الامريكية، احتمال توقف المساهمة الامريكية في صندوق وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، اذا ما أصرت القيادة الفلسطينية على رفض العودة إلى مفاوضات سلام تحت الرعاية الأمريكية، وهو قرار فلسطيني بحد ذاته، جاء ردا على قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل، ونقل السفارة الامريكية إليها.

ويتابع الكاتب قائلا: قد يبدو الغرض من التهديدات الامريكية، معاقبة الفلسطينيين لعدم تقديرهم واحترامهم للإدارة الأمريكية في المنطقة، كما جاء في إحدى تغريدات ترامب، ولكن هذه التهديدات يجب أن تثير القلق في اسرائيل.

ويذكر مطر أنه حتى توقيع اتفاق اوسلو المشؤوم في سبتمبر 1993، كانت اسرائيل مسؤولة عن اطار الحياة اليومية للفلسطينيين في الأراضي المحتلة. المرافق العامة والشؤون الاجتماعية والتعليم والصحة وخدمات اخرى غيرها كانت من مسؤولية إسرائيل كقوة احتلالية. وجاء اتفاق أوسلو لينقل الكثير من هذه المسؤوليات للسلطة الفلسطينية حديثة العهد. وحوّل الجانبان فاتورة هذه الخدمات إلى المجموعة الدولية، وتحديدا الولايات المتحدة راعية الاتفاق، والاتحاد الاوروبي ودول عربية. وكانت الفكرة أن المساعدات الدولية لدفع التطور الفلسطيني إلى أن ينتهي الاحتلال وتقوم مكانه الدولة الفلسطينية. بالتوازي تواصل «الأونروا» تقديم خدماتها إلى ما يزيد عن 800 الف لاجئ فلسطيني موزعين على19 مخيما و96 مدرسة و43 مركزا طبيا وغير ذلك في الضفة الغربية وحدها.

غير أن عملية السلام ماتت ودفنت، ورغم ذلك فان اتفاق اوسلو وملحقاته الذي كان اعلان مبادئ مؤقتا ينتهي في عام 1999، تواصل كإطار عمل فضفاض للعلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين. واستمر الدعم الامريكي والاوروبي والعربي للسلطة الفلسطينية والاونروا، والسماح لاسرائيل لابقاء الاحتلال في ظل ظروف رفاهية، سيطرة كاملة على الاراضي المحتلة، وسيطرة كاملة على حياة الناس، خالية من المسؤوليات بتكلفة زهيدة. والتبرير لاستمرار هذا هو وهم ما يسمى بعملية السلام. وعلى مدى السنوات الـ25 منذ اوسلو، اي نصف سنوات الاحتلال، كان يفترض أن يأتي السلام فيها في اي لحظة. وجاءت قرارات ترامب الأخيرة، لتغيير هذه المعادلة. واذا ما اصر الفلسطينيون على رفض قيادة واشنطن لعملية السلام وشروطها، فلن تكون هناك عملية سلام. ولن يكون هناك دعم للسلطة والاونروا.

والمشكلة انه في غياب عملية سلام والدعم المرافق لها، فستضطر السلطة والاونروا إلى تقليص خدماتهما، ما يعني إغلاق مدارس وتسريح موظفين، وهؤلاء لن يدفعوا الفاتورة لوحدهم. وستكون هناك ردود افعال غاضبة تستهدف اسرائيل، وقد تضعف السلطة وشرعيتها. باختصار فإن قطع موارد السلطة الرئيسية، سيأتي على الاطار الذي حافظ حتى الان على رفاهية الاحتلال.

إن تهديدات ترامب لن تحطم هذا الاطار الداعم للاحتلال الاسرائيلي عبر المؤسسات الفلسطينية والأمم المتحدة، فحسب، بل ستقضي على وهم عملية السلام وحل الدولتين الذي رفضه مؤخرا حزب الليكود، بقيادة نتنياهو مجددا. قد ترى حكومة نتنياهو في هذه التغييرات انتصارا، ولكن على المدى البعيد، سيكون من الصعب معرفة إلى اين سيقود انهيار الوضع القائم، لذا فإن على قيادة اسرائيل أن تنتظر قبل أن تفتح زجاجات الشمبانيا.

وأختتم بما قاله الكاتب الصحافي الاسرائيلي جدعون ليفي في إحدى مقالاته: «يبدو أن الفلسطينيين طينتهم تختلف عن طينة باقي البشر، فقد احتللنا أرضهم، وأطلقنا عليهم الغانيات وبنات الهوى، وقلنا ستمر بضع سنوات، وسينسون وطنهم وأرضهم، وإذا بجيلهم الشاب يفجر انتفاضة الـ87.. أدخلناهم السجون وقلنا سنربيهم في السجون.

وبعد سنوات، وبعد أن ظننا أنهم استوعبوا الدرس، إذ بهم يعودون إلينا بانتفاضة مسلحة عام 2000، أكلت الأخضر واليابس، فقلنا نهدم بيوتهم ونحاصرهم سنين طويلة، وإذا بهم يستخرجون من المستحيل صواريخ يضربوننا بها، رغم الحصار والدمار، فأخذنا نحاصرهم بالجدران والأسلاك الشائكة.. وإذ بهم يأتوننا من تحت الأرض وبالأنفاق، حتى أثخنوا فينا قتلاً في الحرب الماضية، حاربناهم بالعقول، فإذا بهم يستولون على القمر الصناعي عاموس ويدخلون الرعب إلى كل بيت في إسرائيل، عبر بث التهديد والوعيد، كما حدث حينما استطاع شبابهم الاستيلاء على القناة الثانية.. خلاصة القول، يبدو أننا نواجه أصعب شعب عرفه التاريخ، ولا حل معهم سوى الاعتراف بحقوقهم وإنهاء الاحتلال. لقد قالها الرئيس الراحل ياسر عرفات «إنهم شعب الجبارين».